ثقة ويقينًا فيما يعتقده · إذ لا شك أن درجة الاستدلال أعلى من درجة التقليد ألف مرة · وكل من كان في الاستدلال والاستنباط أكثر، كان إيمانه أقوى (4) ·
وقد أماط التقي ابن تيمية (1) الحجاب عن هذه المسألة، وبينها بيانًا شافيًا، فقال:"حقيقة الإيمان العائد إلى المعتقد هي طمأنينة النفس، وسكون القلب إلى معرفة ما يعتقد، بإسناد ذلك إلى دليل يصلح له · وهذا لا يعدم في حق أحد من العامة · وبيان ذلك: أنه لو قيل لأحد من العوام: بم عرفت ربك؟ لقال: بأنه انفرد بناء هذه السماء ورفعها · فلا يشاركه في هذا موصوف بجسم ولا جوهر · وهذا مأخوذ من قوله تعالى: وإلى السماء كيف رفعت (2) ، ومن سائر الآيات التي فيها ذكر السماء والاعتبار بها · وهذه الآيات هي الأصل عند العلماء، وإنما ينفردون عن العامة في هذا ببسيط البيان المليح، والتشقيق، والغامض الدقيق · وفي بيان حكم يدركها العامي فهمًا بجنانه، ويقصر عن شرحها بلسانه"·
وبعد أن ساق أدلة عقلية مقنعة على صحة إيمان المقلد، قال:"وهذا وأمثاله معروف عند العامة، لا يخفى عليهم، وإن عجزوا في بعضه عن الإفصاح بشرحه · والمأخوذ على المكلف فهمه ومعرفته، على وجه يزول عنه الشك، ويبعد فيه الريب، ويستضيء به العقل، وتثق به النفس ·"
وهذا سهل لا تقصر العامة عن معرفته، فلهذا قضينا لهم بالإيمان والمعرفة، وهذا جلي واضح" (3) ·"
المجال الثاني: المسائل الشرعية:
اختلفت كلمة العلماء في حكم التقليد في المسائل الشرعية على أقوال؛ أهمها ثلاثة: القول بالتحريم مطلقًا · والقول بالوجوب مطلقًا · والقول بالتفصيل · وإليك بيان مجمل تلك الأقوال على النحو الآتي:
القول الأول: تحريم التقليد مطلقًا:
يرى أصحاب هذا القول أن التقليد في الأحكام الفرعية الشرعية غير جائز · ولابد لكل مكلف أن يجتهد لنفسه، ويقف على طريق الحكم ·
وهو مذهب بعض معتزلة بغداد (1) · وتبناه ابن حزم، وادعى الإجماع عليه · ولعله من أصرح وأبين من أعرب عن هذا المذهب · فهو يقول:"فالتقليد كله حرام في جميع الشرائع، أولها عن آخرها؛ من التوحيد، والنبوة والقدر، والإيمان، والوعيد،"