بالحس، وأبطلوا حجج العقول ·
ونقل التقي ابن تيمية (6) صحة إيمان المقلد عن عامة الفقهاء وأهل الحديث·
وعده صاحب مسلم الثبوت وشارحه المذهب الصحيح، لصحة إيمان المقلد عند الأئمة الأربعة (7) · وانتصر له السمعاني (8) قائلًا:"لا يجوز أن يكلف العوام اعتقاد الأصول بدلائلها؛ لأن في ذلك المشقة العظيمة، والبلوى الشديدة · وهي في الغموض والخفاء أشد من الدلائل الفقهية في الفروع· ولهذا خفيت على كثير من العقلاء مع شدة عنايتهم في ذلك، واهتمامهم العظيم به · فصارت دلائل الأصول مثل دلائل الفروع"·
بل اشتد نكيره على مطالبة المتكلمين العوام بمعرفة دلائل الأصول؛ حين قال:"وأما إيجاب معرفة الأصول على ما يقوله المتكلمون فبعيد جدًا عن الصواب · ومتى أوجبنا ذلك؟ فمتى يوجد في العوام من يعرف ذلك، ويصدر عقيدته عنه؟ بل يكون أكثر العوام بحيث لو عرض عليهم تلك الدلائل بحالها لم يفهموها أصلًا، فضلًا عن أن يصيروا أصحاب دلائل، ويقفوا على العقائد بالطرق البرهانية · وإنما غاية العامي هو أن يتلقى ما يريد أن يعتقده، ويلقى به ربه من العلماء، ويتبعهم في ذلك، ويقلدهم· ثم يسلمون (عليها) (1) بقلوب سليمة طاهرة عن الأدغال والأهواء، ثم يعضون عليها بالنواجذ · فلا يحولون ولا يزولون عنها ولو قطعوا إربًا· فهنيئًا لهم السلامة والبعد عن الشبهات الداخلة على أهل الكلام ·"
وعلى أنا لا ننكر من الدلائل العقلية بقدر ما ينال المسلم به برد اليقين، ويزداد به ثقة وطمأنينة فيما يعتقده · وإنما ننكر إيجاب التوصل إلى العقائد في الأصول بالطريق الذي اعتقدوه · وساموا جميع الخلق سلوك طريقهم · وزعموا أن من لم يفعل ذلك لم يعرف الله تعالى · ثم أدى بهم ذلك إلى تكفير العوام أجمع"·"
وهذا ما أيده الشوكاني (2) مبينًا صحة إيمان العوام مطلقًا ·
ولا شك أن المنتقد هنا هو اتباع مناهج المتكلمين وطرائقهم في تقرير الأصول العقدية، وجعل عقيدة من سلك غير طريقهم عقيدة ساذجة بسيطة غير تامة، والزعم بأن المكلف لا يعرف الله تعالى حق المعرفة إلا باتباع الطريق الذي رسموه، والمنهج الذي قرروه -وهو ما ذهبت إليه طوائف من المعتزلة والقدرية، حيث قررت أنه لا يعرف الله إلا العلماء· فأما العوام، فلا يحكم بصحة إيمانهم ولا بمعرفتهم الله- (3) وإلا فلا مانع يمنع المكلف من استعمال الدلائل العقلية بقدر ما ينال به حقائق الأمور، ويزداد