الصفحة 5 من 53

يعرف حجة ما يصير إليه من الحكم ويقبله، فيوجد فيه حد التقليد؛ وهو قبول قول القول من قائله بغير حجة"·"

وكذلك رجوع القاضي إلى قول الشهود ليس بتقليد، لدلالة ما في الكتاب والسنة من الأمر بالشهادة، والعمل بها · وقد وقع الإجماع على ذلك ·

والخلاف الحاصل في بعض ما تقدم، هو الذي حدا ببعضهم إلى القول بأنه لو سمي ذلك أو بعضه تقليدًا، كما سمي في العرف أخذ المقلد العامي بقول المفتي تقليدًا، فلا مشاحة في التسمية والاصطلاح (1) ·

وقال آخرون في حد التقليد: إنه قبول قول الغير، وأنت لا تدري من أين قاله؟ أمن كتاب أو سنة أو قياس (2) ·

ويعنون قبول قول القائل مع الجهل بمأخذه · وهو أمر غير مرضٍ عند إمام الحرمين؛ لأن"التقليد منبئ عن الاتباع المتعري عن أصل الحجة· فإذا لم يكن في تحديد التقليد ما ينبئ عن ذلك، لم يكن الحد مرضيًا أصلًا" (3) ·

التعريف المختار: وأحسن مما تقدم في حد التقليد أن يقال:"التقليد هو اتباع من لم يقم باتباعه حجة، ولم يستند إلى علم" (4) ·

وإنما استحسن هذا الحد لكونه يشمل الاتباع في الأفعال والأقوال· وقد خصص معظم الأصوليين كلامهم في التقليد بالقول كما سبق · ولا معنى للاختصاص به · بل المراد ما يشمل القول والفعل، بل والتقرير أيضًا· وإذا كان استعمال القول في الرأي قد شاع كثيرًا؛ فإن الاعتقاد المدلول عليه يكون باللفظ تارة، وبالفعل أخرى، وبالتقرير المقترن بما يدل على الرضا حينًا آخر ·

وعلى هذا جرى السعد التفتازاني (1) ، فحمل القول في كلام العضد على ما يعم الفعل والتقرير · وتبعه المحقق البناني (2) ، حاملًا القول في كلام ابن السبكي على ما يشملهما معًا كذلك ·

ويتخرج على هذا التعريف أيضًا أنه لا يتصور تقليد مباح في الشريعة، لا في الأصول ولا في الفروع · إذ التقليد -كما مر- هو اتباع الذي لم تقم به حجة · ولو ساغ تسمية العامي مقلدًا، مع أن قول العالم في حقه واجب الاتباع، جاز أن يسمى المتمسك بالنصوص والإجماع وأدلة المعقول مقلدًا·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت