الصفحة 4 من 53

وعلى هذا يخرج من التعريف الرجوع إلى قول النبي عليه السلام، وإلى ما أجمع عليه أهل العصر من المجتهدين · ورجوع العامي إلى قول المفتي · وكذلك عمل القاضي بقول العدول؛ فإن ذلك كله لا يكون تقليدًا، لعدم عروه عن الحجة الملزمة ·

أما قبول قول رسول الله؛ فلأن قوله وفتواه حجة ودليل على الحكم، لقيام الدليل على وجوب تصديقه من المعجزة (1) · فإذا أفتى بفتيا لم يحتج أن يدل على الحكم بآية من كتاب الله ولا غيره · بل مجرد نطقه عنه حجة · ومن ثم فلا يكون قبول قوله قبول قول في الدين من قائله بلا حجة·

وهو اختيار القاضي أبي يعلى (2) ، وابن السمعاني (3) ، والسيف الآمدي (4) ، وابن الحاجب (5) ·

وعلى هذا اعتمد من فرق (6) في قبول قوله عليه السلام بين أن نقول: إنه يجتهد أو لا يجتهد · فإن قلنا إنه كان يجتهد كان قبول قوله تقليدًا؛ لأنا لا ندري، أيقول عن وحي أم عن اجتهاد؟ وإن قلنا كان لا يجتهد، فقبول قوله ليس تقليدًا · فإنا نعلم أن ما يقوله، يقوله عن وحي ·

ونقل القاضي أبو بكر في (التقريب) الإجماع على أن الآخذ بقول النبي عليه الصلاة والسلام، والراجع إليه ليس بمقلد؛ بل هو صائر إلى دليل وعلم يقين (7) ·

ويبدو أن هذا خلاف لفظي؛ ولهذا علق عليه إمام الحرمين (1) بقوله:"وهذا خلاف في عبارة يهون موقعها عند ذوي التحقيق"·

وكذلك المصير إلى قول المجمعين لا يسمى تقليدًا · إذ الإجماع نفسه حجة كالآية والخبر · فإذا صار إلى الحكم بدليل الإجماع، كان دليله على الحكم الإجماع (2) ·

وأما رجوع العامي إلى قول المجتهد، فليس بتقليد كذلك؛ لأنه لا بد له من نوع اجتهاد (3) · وبهذا جزم القاضي أبو بكر حين قال:"والذي نختاره أن ذلك ليس بتقليد أصلًا · فإن قول العالم حجة في حق المستفتي · إذ الرب تعالى وجل نصب قول العالم علمًا في حق العامي، وأوجب عليه العمل به· كما أوجب على العالم العمل بموجب اجتهاده وعلمه · واجتهاده علم عليه · وقوله علم على المستفتي" (4) ·

وهو مذهب الغزالي (5) ، والسيف الآمدي (6) ، وابن الحاجب (7) ·

وذكر إمام الحرمين أن معظم الأصوليين"مجمعون على القول بأن العامي مقلد للمفتي فيما يأخذه منه" (8) · واختاره ابن السمعاني (9) ، بقوله:"وهو الأولى لأنه لا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت