الصفحة 40 من 53

4 -والتقليد في الأحكام قد يكون عقليًا أو شرعيًا:

أ- فأما العقلي، فلا يسوغ فيه التقليد، وأخطأ من أجازه فيه؛ لأن مذهبه مصادم بآيات كثيرة ذم فيها الحق سبحانه وتعالى تقليد الآباء والرؤساء ·

ب- وأما الشرعي؛ فإن كان مما يعلم ضرورة من دين الله، كالصلوات الخمس، والزكاة، والصوم، والحج، وما أشبه ذلك، فلا يسوغ فيه التقليد؛ لأن الناس كلهم يشتركون في إدراكه، والعلم به، فلا معنى للتقليد فيه ·

وإن كان مما لا يعلم إلا بالنظر والاستدلال؛ كفروع العبادات، والمعاملات، والمناكحات، ··· فهذا يسوغ فيه التقليد بدليل قوله تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (1) · ولأن منعه في مثل هذه المسائل يوقع الناس في حرج وضيق ·

والناس فيما يسوغ فيه التقليد ثلاثة أصناف: العامي، وحكمه الاستفتاء والتقليد · ومن تسامى عن رتبة العلماء، والجمهور على أنه كالعامي، يستفتي ويقلد · ومن بلغ درجة الاجتهاد، فهذا فرضه ما أداه إليه اجتهاده ·

5 -لم ينشأ التقليد في الأمة فجأة من الفراغ، وإنما مهدت له أسباب ودواع؛ بعضها يعود إلى كلل في الأذهان، وفتور في العزائم، وضعف في النفوس، حول القائمين على العلم إلى حراس للقديم، يجمدون على قشوره، ويقفون عند حدوده، ويرفضون المزيد عليه· يغذي كل ذلك ما فشا فيهم من أمراض خلقية، كالتحاسد والأنانية، والتعصب المقيت· والبعض الآخر يعود إلى عوامل سياسية، أغرقت الأمة في النزاعات والحروب، فأهمل العلم، وتوقفت الرحلة في طلبه، وغابت رعاية العلم والعلماء، واشرأبت النفوس إلى نوال الرياسة والقضاء··· إلى أن ظهرت القشة التي قصمت ظهر البعير؛ وهي إغلاق باب الاجتهاد · فانتكس الفقه والفقهاء · وذابت الأمة في التقليد · هذا التقليد الذي اكتوت بنيرانه وما تزال ·

6 -كان من جراء استفحال داء التقليد في الأمة؛ أن ظهرت آثاره السلبية في أكثر من مجال:

أ- تم الزج بالفقه والفقهاء في دائرة الركود والجمود · وكان من مظاهر ذلك:

-شيوع طريقة المتون والمختصرات، واعتمادها أساسًا في التأليف والتصنيف ·

-شيوع المناظرات والجدل، وانكباب المتأخرين على الاشتغال بها· يرغبهم فيها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت