ولعله يقصد أن التآليف الكثيرة قد نسخت الرحلة التي كانت تغذي العلم، وتعمل على نموه وتطوره وارتقائه · فلما كثرت المصنفات، وتيسر نقلها في الأوطان، والحصول عليها بأبخس الأثمان؛ استكانت النفوس إليها، فلم تعد تنشط للرحلة، وتتوق إلى الطلب · فأدى الأمر إلى أن حلت الكتب محل الرحلة، واعتمد الناس عليها أكثر ·
هذا ما سمح به الوقت والجهد في هذا البحث الشائك، حاولت خلاله أن أضع اليد على عائق من معوقات الاجتهاد؛ -تنبيهًا لخطورة أثره، ودعوة لمقاومته- وهو التقليد ·
وإذا كان التقليد بالصورة المقدمة، قد ساهم إلى حد بعيد في جمود الفقه الإسلامي وركوده، بل عرقل تطوره وتجديده واستجابته لمتقلبات الحياة؛ فما المخرج من هذا المأزق الآن؟ وما السبيل إلى إعادة فقهنا الإسلامي إلى سالف عهده؟ وبعث الحياة والدفء والنشاط فيه؟ هذا ما سنعود إليه في البحث القادم إن شاء الله تعالى · والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل · والحمد لله أولًا وأخيرًا ·
خاتمة في نتائج البحث
يتبدى لقارئ هذا البحث مجموعة من الخلاصات والاستنتاجات، يمكن إجمالها فيما يأتي:
1 -إن موضوع التقليد، موضوع في غاية الأهمية؛ بحثه الأصوليون في كتبهم بحوثًا مستفيضة، وصنف فيه كثير من العلماء -قديمًا وحديثًا- كتبًا خاصة · وهو إلى جانب ذلك في غاية الخطورة؛ فهو مزلة أقدام، ومضلة أفهام، ومتاهة لا ينجو منها إلا من رحم الله ·
2 -وهو يعني -فيما يعني- تلقي الأحكام الشرعية من إمام معين، وجعل أقواله حجة، يلزم المقلد اتباعها · ومعنى ذلك أنه يجعل دينه تابعًا لدين غيره، بلا حجة ولا برهان ولا روية ·
3 -وهو غير الاتباع؛ لأن هذا الأخير متابعة للقائل على أساس ما اتضح له من دليل على صحة قوله، بخلاف التقليد الذي يحاكي فيه الشخص قول غيره، بلا حجة معتمدة، ولا دليل واضح ·
وقد حذر السلف من زلة العالم (1) ، وشبهوها بانكسار السفينة، فإنها إذا غرقت، غرق معها خلق كثير · والعالم قد يزل ويخطئ، وتقليده في كل قول يوقع المقلد فيما لا تحمد عقباه ·