بالخوار، فيصبح رجلًا قادرًا على المكابرة واللجاج، بغير حجاج ·
وقد أدى هذا إلى خلق حواجز سميكة بين طلبة العلم والمصادر العلمية الأولى، فتقلصت الدراسات القرآنية والحديثية، وغابت عن الساحة العلمية الدراسات الناقدة، والبحوث الموصلة لأصول التفسير، وقواعد الاستنباط؛ حيث يتمرن طالب العلم على استنطاق النصوص الشرعية، ويتدرب على كشف ما في ثناياها من حكم، وأحكام، وأسرار · فيلتفت إلى الخلاف الفقهي، ويستفيد من التلاقح الفكري بين المذاهب المختلفة · فيسمو ذهنه إلى المعرفة الحقة، وتتفتق مواهبه إلى استيعاب كل جديد، فترتفع نسبة النباهة والتحصيل فيما يتلقى ·
رابعًا: المبالغة في البحث، والتعمق في الفنون:
أقبل العلماء في عصر الركود على التعمقات في كل فن · فترى من يزعم أنه يؤسس علم أسماء الرجال، ومعرفة مراتب الجرح والتعديل · ثم توسع في ذلك حتى خرج إلى التاريخ ·
ومنهم من تجرد لتقصي الروايات، وتفحص نوادر الأخبار، والجري وراء غرائبها، وإن دخلت في حد الموضوع ·
ومنهم من أكثر القيل والقال في أصول الفقه، وافتعل مباحث لا تخدم قضايا هذا العلم، ولا تمت إلى أساسياته بصلة (1) ·
ومنهم من بالغ في فرض الصور المستبعدة، وإيراد المسائل النادرة؛ حيث كان للتعمق في هذا الجانب من المساوئ أن ابتعد الفقه في كثير من أحكامه عن الحاجة العملية، والمصالح الزمنية · ووجدت فيه طائفة من المسائل يكاد يكون وقوعها مستحيلًا، ودراستها مضيعة للوقت (2) · وإليها الإشارة بقول العلامة الحجوي:"هذه المسائل التي تمضي الأعمار ولا تقع واحدة منها" (3) ·
كما نشطت حركة التصنيف في مختلف الفنون، وانبرى المقلدة يملؤون أوقاتهم بتأليف مناقب أئمتهم؛ بل تفاخروا بذلك حتى صارت مناقب أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، في مجلدات (4) ·
وقد ندد بعض العلماء بكثرة التواليف، وعدّوها سبب ضمور العلم وفساده · قال العلامة الآبلي العبدري التلمساني:"إنما أفسد العلم كثرة التأليف، وأذهبه بنيان المدارس · فكان يستنصف من المؤلفين والبنائين" (1) ·