الصفحة 37 من 53

وقد ألمح إلى شيء من هذا القبيل الغزالي (1) حين قال:"وهذه العلوم آلات ومقدمات · وليست مطلوبة لعينها بل لغيرها · وكل ما يطلب لغيره فلا ينبغي أن ينسى فيه المطلوب ويستكثر منه · فاقتصر من شائع علم اللغة على ما تفهم منه كلام العرب وتنطق به · ومن غريبه على غريب القرآن وغريب الحديث، ودع التعمق فيه · واقتصر من النحو على ما يتعلق بالكتاب والسنة · فما من علم إلا وله اقتصار واقتصاد واستقصاء"·

هذا، وقد ظلت علوم اللغة والأدب في عصر الازدهار تعيش في كنف العلوم الدينية، وتستمد مشروعيتها من الفائدة التي كانت تحققها في دراسة القرآن والحديث · ولكنها تدهورت بمرور الزمن وأصبحت في حال يرثى لها ·

ومنها انصراف معظم جهود العلماء إلى خدمة الدواوين الفقهية اختصارًا وشرحًا وتحشية؛ مما ضعف لديهم مع مرور الوقت القدرة على الابتكار والإبداع، وقتل فيهم روح المبادرة والتوق إلى الجديد · ناهيك أن في إغراقهم في الفروع والجزئيات، وانشغالهم بفك مستغلقات العلوم إفسادًا للذوق، وإضاعة للوقت، وتخديرًا للحواس، وإماتة لروح التجديد حتى لا تلتفت إلى التأصيل ·

وهذا العلامة الحجوي -وهو ينعى على أهل القرون المتأخرة ما صاروا إليه في مجال التعليم والتأليف- يقول:"ومن الغريب في أحوال القرون الأخيرة أن النحو الذي لا تدعو ضرورة لإقامة أدلة على قواعده، افتعلوا له أدلة على قواعده، افتعلوا له أدلة، فضخموه وصعبوه · والفقه الذي يتأكد معرفة أدلته، تركوها وضخموه بكثرة الاختصار، وكثرة المسائل النادرة ·"

وإن إفناء العمر في المسائل النادرة التي تمضي الأعمار ولا تقع واحدة منها قليل الجدوى" (1) ·"

ومنها عدم الاختيار السليم للتآليف المقررة للناشئة؛ فلو أحسن القائمون على التربية والتعليم اختيار المؤلفات التي تدرس، ونظروا في عوائق التحصيل، فاستدركوا ناقصًا، وأصلحوا مختلًا، لما كان التلميذ يقرأ النحو طول زمانه، وهو عاجز عن التكلم بكلام معرب، ولا كان يقرأ الأصول وهو يختم (جمع الجوامع) ولا يحسن ترجيح رأي بله استنباط حكم · فمعظم مؤلفات أهل القرون الوسطى لا تلمح فيها إلا مناقشات وخصومات على الألفاظ والعبارات، تأكل وقت الطالب، وتضيع عمره، تصيب فكره

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت