الصفحة 35 من 53

فرد على تدعيم رأيه بكل الأدلة التي تتراءى له، ولو كانت واهية · فازدهرت المسائل الخلافية، ونشط التعصب إلى المذاهب وأربابها، وكثر الاعتساف، وقل الإنصاف؛ حتى قال أبو عبد الله المقري (3) : ثم أنا مع ذلك لا نرى مصنفًا في الخلاف ينتصر لغير مذهب صاحبه، مع علمنا برؤيته للحق في بعض آراء مخالفيه · وهذا تعظيم للمقلدين بتحقير الدين، وإيثار للهوى على الهدى ولو اتبع الحق أهواءهم"· وأصبحت المناظرة علمًا جديدًا له أصوله وقواعده وآدابه· وظهرت مصنفات في أدب المناظرة·"

وأحيانًا كان الأمراء يشتركون في تلك المناظرات، أو تعقد في مجالسهم، فيؤدي الأمر إلى انحياز الأمراء إلى رأي، والتنكيل بمن يخالف ذلك الرأي · فأصبح المتناظرون يحققون رغبة الأمراء والحكام بتلك المناظرات، فتتسع الهوة بين المتخاصمين، وتضيع الحقيقة، ويتعذر الوصول إلى الصواب ·

ولقد رسم الإمام الغزالي الباعث على الإكباب على الخلافيات والمناظرات في الإحياء فقال:"ثم ظهر بعدهم -أي العلماء المتنورون- من الصدور والأمراء من يسمع مقالات الناس في قواعد العقائد، ومالت نفسه إلى سماع الحجج فيها · فعلمت رغبته إلى المناظرة والمجادلة في الكلام· فأكب الناس على علم الكلام، وأكثروا فيه التصانيف · ورتبوا فيه طرق المجادلات · واستخرجوا فنون المناقضات في المقالات · وزعموا أن غرضهم الذب عن دين الله، والنضال عن السنة، وقمع البدعة · كما زعم من قبلهم أن غرضهم بالاشتغال بالفتاوى: الدين، وتقلد أحكام المسلمين، إشفاقًا على الخلق ونصيحة لهم · ثم ظهر بعد ذلك من الصدور من لم يستصوب الخوض في الكلام، وفتح باب المناظرة فيه؛ لما كان قد تولد من فتح بابه من التعصبات الفاحشة، والخصومات الفاشية المفضية إلى إهراق الدماء، وتخريب البلاد · ومالت نفسه إلى المناظرة في الفقه، وبيان الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة رضي الله عنهما على الخصوص· فترك الناس الكلام وفنون العلم، وانثالوا على المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة على الخصوص · وتساهلوا مع مالك وسفيان وأحمد رحمهم الله تعالى وغيرهم · وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع، وتقرير علل المذهب، وتمهيد أصول الفتوى · وأكثروا فيها التصانيف والاستنباطات، ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات (1) ·"

وقد رد الإمام الغزالي على من اتخذ المناظرة هدفًا من أهدافه، زاعمًا أن غرضه المباحثة عن الحق ليتضح · وحدد له شروط المناظرة وآدابها حتى لا تصبح أداة للتفاخر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت