الصفحة 34 من 53

غيرهم من المتأخرين · فالمتأخر لا يبلغ من الرسوخ في علم ما بلغه المتقدم · إذ أعمال المتقدمين -في إصلاح دينهم ودنياهم- على خلاف أعمال المتأخرين، وعلومهم في التحقيق أقعد · ولهذا صارت كتب المتقدمين أنفع لمن أراد الأخذ بالاحتياط في العلم، على أي نوع كان، وخصوصًا علم الشريعة، الذي هو العروة الوثقى، والوزر الأحمى (2) ·

ثانيًا: شيوع المناظرات والجدل:

يسعى علم المناظرة، أو أدب البحث، إلى كيفية إيراد الكلام بين المتناظرين · فهو العلم الذي يقدر به من تعلمه على بيان مواضع الغلط في حجة خصمه، وعلى تصحيح مذهبه بإقامة الدليل المقنع على صحته (3) ·

ولقد عرفت المناظرات في عصور الاجتهاد المشرقة، فكثيرًا ما كان العلماء يتناظرون في المسائل، ويعرض كل واحد منهم رأيه مدعمًا بدليله النقلي والعقلي، معللًا بالعلل الشرعية والمنطقية، ···

وكثيرًا ما كان الشافعي يتناظر في الفقه مع فقيه العراق محمد بن الحسن الشيباني · وكان نتاج تلك المناظرات عظيمًا؛ لأن كل واحد من المتناظرين يحرص على أن يسمع من مناظره رأيه، فيضيف رأيًا جديدًا إلى آرائه · وكثيرًا ما كان أحد الطرفين يرجع إلى الصواب إذا تبين له ذلك؛ لأنهم كانوا يحرصون جميعًا على الوصول إلى الحق، فإذا لاح لأحدهم بادر إليه فرحًا دون مواربة أو تلكؤ ·

يقول الحافظ ابن عبد البر شاكيًا حال الفقهاء المالكية في عصره:"واعلم أنه لم تكن مناظرة بين اثنين أو جماعة من السلف إلا لتفهم وجه الصواب فيصار إليه، ويعرف أصل القول وعلته فيجري عليه أمثلته ونظائره · وعلى هذا الناس في كل بلد إلا عندنا (1) ···"

ويقول العز بن عبد السلام بعد أن ذكر حال فقهاء عصر الركود في مناظراتهم ومجالسهم:"وأين هذا من مناظرة السلف ومشاورتهم في الأحكام، ومسارعتهم إلى اتباع الحق إذا ظهر على لسان الخصم · وقد نقل عن الإمام الشافعي رحمه الله أنه قال: ما ناظرت أحدًا إلا قلت: اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني · وإن كان الحق معه اتبعته" (2) ·

غير أن منهج المتأخرين في المناظرة يقوم على التنافس والتعصب · إذ يحرص كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت