الصفحة 32 من 53

الاختصار، فما وجهه؟ فتوقف يومين وهو يتضرع إلى الله في فهمها · وأجاب في اليوم الثاني بأنه لو أسقطها، لخرج النكاح المجعول صداقه منفعة ما يمكن نقله (2) ·

ومما لا ريب فيه أن ظاهرة الاختصار قد جنت كثيرًا على الفقه من حيث نموه وتطوره وازدهاره، حتى إن كثيرًا من الباحثين (3) عد هذه الظاهرة سببًا في تقهقره وضعفه وانحلاله · ذلك أن المنهج الذي سار عليه المختصرون يقوم على أساس فهم متخلف للتراث الفقهي، لم يستوعبوا مضامينه ومحتواه على الوجه الذي كان عليهم أن يفهموه ويتمثلوه · فجاء كلامهم ضربًا من الألغاز يستعصي فهمها حتى على الفقيه المتمرس؛ إذا هو لم يستعن بالشروح والأصول القديمة عله يظفر بما يريد (4) ·

ولهذا السبب وغيره تجد غالب العلماء من القرن الثامن إلى الآن لم يحفظ لهم كبير اجتهاد، ولا لهم أقوال تعتبر في المذاهب الفقهية؛ وإنما هم نقالون"إذ لم يسمع منهم إلا ما نقلوه عن غيرهم، لا ما رأوه من عند أنفسهم" (5) · أفنوا أعمارهم في فتح ما أغلقه أهل القرون الوسطى من المذاهب الفقهية، فتبلدت الأفكار، وتخدرت الأنظار بسبب الاختصار، فترك الناس النظر في الكتاب والسنة، والأصول، وأقبلوا على حل تلك الرموز التي لا غاية لها ولا نهاية · وأحيطت العقول بقيود فوق قيود، وآصار فوق آصار:

-فالقيود الأولى: التقيد بالمذاهب الفقهية، وما جعلوا لها من القواعد، ونسبوا لمؤسسيها من الأصول ·

-الثانية: أطواق التآليف المختصرة المعقدة، التي لا تفهم إلا بواسطة الشروح · واختصروا في الشروح فأصبحت هي أيضًا محتاجة للشروح، وهي الحواشي والطرر ···

فنشأ عن كل هذا، عقدة في اللسان، واستتار المسائل تحت البحث اللفظي المجرد، وانصراف المؤلفين عن النقد، وانشغالهم باختزال حرف أو نقص كلمة، ··· فضعفت الأفهام، وتهيأت لشرح المستغلقات، وإضاعة بقية الأوقات، والخصومة في معاني الكلمات (1) ···

قال العلامة الحجوي -وهو يتأسف على ما صار إليه الفقه بيد هؤلاء-:"فيا لله أين نحن من قوله عليه السلام: (سددوا وقاربوا) (2) · وقوله: (بلغوا عني ولو آية · فرب مبلغ أوعى من سامع) (3) · وقوله: (لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير مما طلعت عليه"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت