والوجوه والطرق · ويحتاج الأمر إلى موازنة واختيار وترجيح، وهو أمر لا ينهض به إلا من كان بصيرًا بأصول المذاهب، خبيرًا بالأدلة الشرعية، متمرسًا بقواعد الاستنباط، محيطًا بأقوال المتقدمين، وطرائقهم في الاستدلال · وهي صفات لا تستوعبها ثقافة المقلد، ولا يلتفت إليها حتى ولو أدرك شأوًا بعيدًا في العلم ·
يضاف إلى ذلك أن الفتوى في تلك الأعصار، صارت"تنقل من كتب لا يدرى ما زيد فيها مما نقص لعدم تصحيحها، وقلة الكشف عنها · وكان أهل المائة السابعة لا يسوغون -مثلًا- الفتوى من (تبصرة) اللخمي، لعدم تصحيحها على مؤلفها" (1) ·
هذا، وعلى الرغم من أن التقليد في تلك العصور قد تمكن واستحكم، وألقى بظلاله القاتمة على معظم مناحي الحياة العلمية؛ إلا أننا لا نعدم رجالًا قد كسروا أطواقه، وحطموا أغلاله، وقاموا بجهود كبرى في تنظيم المذاهب الفقهية، وجمع شتاتها · وصدر لهم من الأعمال الجليلة ما يشهد بفضلهم، ويعلي من شأنهم · فمن ذلك (2) :
أولًا: البحث عن علل ما استنبطه الأئمة من أحكام؛ إذ كان أولئك الأئمة لم يذكروا الكثير من علل الأحكام التي ذهبوا إليها، فاجتهد هؤلاء في بيان عللها، والأصول التي جرى عليها الأئمة في استنباطهم · وهؤلاء هم الذين يطلق عليهم علماء التخريج ·
وبمعرفة علل الأحكام، أمكنهم الإفتاء في النوازل أو المسائل التي ليس فيها نص عن الإمام · وذلك باستعمال القياس، أو مراعاة المصالح، أو غيرهما من أصول التشريع · وبذلك وضعوا علم أصول الفقه، واتسع نطاقه على أيديهم · وكان اتساعه نتيجة لازمة لتلك التوسعات المذهبية التي يجب أن تستند إليه ·
وأكثر من اشتغل بذلك فقهاء الحنفية، فقد اجتهدوا في وضع أصول مخرجة على كلام أئمتهم · وتبعهم في ذلك بعض المالكية، حيث لم يترك لهم أئمتهم أصولًا مدونة كالتي تركها الشافعي لتلاميذه · وأقل عناء في هذا المضمار الشافعية؛ لأن أصول إمامهم قد دونها بنفسه، وأملاها على أصحابه ·
ثانيًا: الترجيح بين الآراء المختلفة في المذاهب؛ سواء في هذا ما روي عن الأئمة أنفسهم، وما روي عن أصحابهم وأتباعهم الذين أقاموا هذه المذاهب ·
وهذا الترجيح على نوعين:
أ- ترجيح من جهة الرواية؛ حيث انصبت جهودهم على ترجيح النقل الصحيح عن أئمة المذاهب · سيما وقد نقل عنهم مذاهبهم أكثر من واحد· فكان عمل هؤلاء -بعد تقرر