الصفحة 28 من 53

وما ذلك إلا لغلبة وصف التقليد فيهم، واستحواذه على عقولهم، وقدراتهم الفكرية · فلم يك من السهل على الواحد منهم أن يقف لحظة ليتأمل مقررات المذهب، وأقوال الأصحاب، ويعمل فكره في اختيار أصحها وأقواها، وأقربها إلى الكتاب والسنة، وأجرأها على أصول الإمام ومآخذه ·

فمعيار التفكير والنظر عند المقلد، والحكم الذي يرجع إليه في ضبط الأمور وتمييزها؛ قد عطله في نفسه، وألغى دوره فيما يقدم عليه، وألقى بكليته في أحضان التقليد، وسلم نفسه لمقولات المذهب وتفريعاته ·

بل حتى لو وقف على ضعف قول، أو مجانبة رأي للصواب فلا يملك قدرة تمكنه من التخلي عنه، أو تصحيحه، أو الإعلان عن ضعفه · قال العز بن عبد السلام:"ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه، بحيث لايجد لضعفه مدفعًا، ومع هذا يقلد فيه، ويترك ما شهد الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبه، جمودًا على تقليد إمامه · بل يتحيل لدفع ظواهر الكتاب والسنة، ويتأولهما بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالًا عن مقلده" (1) ·

وقد نبه أهل التحقيق في المذاهب إلى ضرورة تنقيح الكتب المعتمدة في الفتوى، والاحتياط عند النقل في تلافي كل ما يصادم النص أو الإجماع أو القياس · فهذا الإمام القرافي ينص على أن الأئمة ينبغي لهم أن يتفقدوا أقوال مذاهبهم، وينبذوا كل ما خالف نصًا، أو إجماعًا، أو قياسًا جليًا· قال:"فعلى هذا يجب على أهل العصر تفقد مذاهبهم · فكل ما وجدوه من هذا النوع يحرم عليهم الفتيا به · ولا يعرى مذهب من المذاهب عنه · لكنه قد يقل وقد يكثر · غير أنه لا يقدر أن يعلم هذا في مذهبه إلا من عرف القواعد، والقياس الجلي، والنص الصريح، وعدم المعارض لذلك" (2) ·

ونص على هذا أيضًا، الإمام النووي؛ حين حذر من الاكتفاء بمؤلف أو مؤلفين عند النقل في مجال الإفتاء، فقال:"لا يجوز لمفت على مذهب الشافعي إذا اعتمد النقل أن يكتفي بمصنف ومصنفين ونحوهما من كتب المتقدمين وأكثر المتأخرين، لكثرة الاختلاف بينهم في الجزم والترجيح، ··· وهذا مما لا يتشكك فيه من له أدنى أنس بالمذهب · بل قد يجزم نحو عشرة من المصنفين بشيء، وهو شاذ بالنسبة إلى الراجح في المذهب، ومخالف لما عليه الجمهور" (3) ·

وهذا النمط يغلب على مؤلفات أهل القرون الوسطى، حيث يكثر اختلاف الروايات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت