الصفحة 27 من 53

وإلى هؤلاء أومأ العز بن عبد السلام بقوله:"فالبحث مع هؤلاء ضائع، مفض إلى التقاطع والتدابر، من غير فائدة يجنيها · وما رأيت أحدًا رجع عن مذهب إمامه إذا ظهر له الحق في غيره، مع علمه بضعفه وبعده· فالأولى ترك البحث مع هؤلاء الذين إذا عجز أحدهم عن تمشية مذهب إمامه قال: لعل إمامي وقف على دليل لم أقف عليه، ولم أهتد إليه" (1) ·

بل دأب هؤلاء جعل مختصرات المتأخرين أنفس ما تصرف فيه الأوقات وتنفق في الإقبال عليها الأعمار؛ لإعراضها عن الدليل، وتعصب أصحابها للتقليد، واعتقادهم أنه الرأي السديد ·

يشهد لهذا أنك لو تأملت -مثلًا- مذهب المالكية · وألقيت نظرة على كتب علمائه المتقدمين، لوجدتها قد ملئت بالأدلة، وعنيت بالتأصيل، ووشحت بذم التقليد والمقلدين؛ مثل المبسوط للقاضي إسماعيل، والمجموعة لابن عبدوس، والواضحة لابن حبيب، والتمهيد، والاستذكار لابن عبدالبر، والطراز لسند بن عنان ··· وقد هجرها المتأخرون · ونبذوها وراء ظهورهم · واستعاضوا عنها مختصرات، تفنن المتأخرون في حذف أدلتها وأسانيدها، وسوق فروعها الفقهية دون تعليل أو تأصيل (1) ·

وهكذا تلحظ إلى أي حد سيطرت هذه الأخلاقيات على عقول المقلدة، وتحكمت من نفوسهم، حتى سدت أمامهم كل باب للنظر في الكتاب والسنة، ومراجعة أقوال المذاهب، عسى أن يكون فيها خطأ أو تحريف ·

وقد أحسن الشاطبي حين أشار إلى قريب من هذا بقوله:"تتهم الأدلة وأقوال العلماء المتقدمين، ويحسن الظن بمن تأخر"· وقال:"وهذا الاضطراب كله، منشؤه تحسين الظن بأعمال المتأخرين -وإن جاءت الشريعة بخلاف ذلك- والوقوف مع الرجال دون التحري للحق" (2) ·

5 -عدم تفقد الفقهاء أقوال مذاهبهم:

إن من موجبات هرم الفقه عدم تنقيح كتبه، وإمعان النظر فيما تتضمنه من مسائل وأحكام، والتأكد من مدى ملاءمة ما فيها لأصول المذاهب وقواعدها · فالمقلدة لا يتعهدون كتب المذاهب وأقوال الأئمة، ولا يتفقدونها بالمراجعة، والتنقيح، والتصحيح، والتأصيل؛ بل يرضون بها، ويسلمون بما فيها على أنه وحي مقدس، لا يقبل المناقشة فضلًا عن النقد أو الرد ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت