الصفحة 26 من 53

مرية فيه (1) ·

وإذا بلغهم حديث يخالف قول من يقلدونه؛ اجتهدوا في تأويله القريب والبعيد، وسعوا في محامله النائية والدانية، وساقوا له من المسوغات المقبول وغير المقبول، وربما حرفوا الكلم عن مواضعه ·

وإذا قيل لهم عند عدم وجود المحامل المعتبرة: لعل من تقلدونه لم يبلغه الخبر؛ أقاموا على القائل القيامة، وشنعوا عليه أشد الشناعة، ونسبوا إليه كل نقيصة وبلية ·

وما ذلك إلا لكون الموازين قد اختلت، والمعايير قد انقلبت · إذ كيف يجوزون عدم بلوغ الحديث إلى الصديق، والفاروق، وذي النورين، وغيرهم من الأصحاب، ولا يجوزون ذلك في أرباب المذاهب، مع أن البون بين الفريقين كما بين السماء والأرض (2) ·

بل تراهم يتنافسون في اقتناء كتب الحديث، ومطالعتها، وإدامة النظر فيها · لا للعمل بما فيها؛ بل للوقوف على دلائل من قلدوه، والتماس الحجة لأقواله لأدنى مناسبة ···

وإذا مر بهم حديث يوافق مذهب إمامهم، فرحوا به، وانقادوا له، وسلموا، وإذا مر بهم حديث صحيح، سالم من النسخ والمعارض، مؤيد لمذهب غير إمامهم، فتحوا له باب الاحتمالات البعيدة، وضربوا عنه الصفح والعارض، والتمسوا لمذهب إمامهم أوجهًا من الترجيح، كأن إمامهم نبي أرسل إليه ·

وإذا شرح أحدهم كتابًا من كتب الحديث، أول كل حديث خالف مذهب إمامه · وإن عجز عن ذلك ادعى النسخ بلا دليل، أو الخصوصية، أو عدم العمل به، أو غير ذلك من الأعذار · وإن عجز عن ذلك كله، ادعى أن إمامه اطلع على كل ما روي عن النبي · فما ترك هذا الحديث الشريف إلا وقد اطلع على طعن فيه ·

وإن نصحه أحد من علماء السنة، ثار في وجهه واتخذه عدوًا، وشهر به في كل مجلس وناد ·

وإن وقف على كتاب من كتب مذهب إمامه المشهورة، ووجده قد تضمن الدعوة إلى الأخذ بالسنة، وذم الرأي والتقليد، والحض على اتباع السنن الصحيحة؛ نبذه وراء ظهره، وأعرض عن أمره ونهيه ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت