المالكي ينقحه بتحقيقه لمناط الأحكام، ونظره في أدلتها، ونقضه على الفقهاء ما كانوا يفتون به تقليدًا، أو عن ضعف دليل، ··· دفع هذا ببعض منافسيه إلى النيل منه، والحط من قدره· فنفّروا الناس من الأخذ منه، والسماع عليه · ورموه بالتزيد والإغراب في أحاديثه ورواياته ·
فشكا بعض ما لقيه من هؤلاء، فقال:"··· إلا أني بليت بحسدة لا يفتؤون، ومبتدعة لا يفهمون · قد قعدوا مني مزجر الكلب يبصبصون، والله أعلم بما يتربصون" (3) ·
ناهيك عما لقيه أمثاله ممن تقدمه في الرحلة والطلب من فقهاء بلده من هجر، وكيد، وجفاء · فهذا الإمام بقي بن مخلد الأندلسي (672هـ) ؛"رحل، فلقي علماء الأمة، وسادة العلم، ورفعاء الملة، كأحمد بن حنبل وأكرم · فارتبط، وظفر فاغتبط · وجاء بعلم عظيم، ودين قويم · ولم يكن له أن يرتبط بمذهب أحد · وقد كان رقي من العلم يفاعه، مع تفنن في العلوم، ومنة في نفسه" (1) ·
فانتقدوه وحاربوه، وعدوه من الخارجين عن الجادة، والمفارقين للجماعة؛"لأنه من العلم بما لا يد لهم به ··· وكان هؤلاء المقلدة قد صمموا على مذهب مالك، بحيث أنكروا ما عداه · وهذا تحكيم الرجال على الحق، والغلو في محبة المذهب" (2) ·
وهذا الأصيلي (3) ، أبو محمد عبد الله بن إبراهيم (ت293هـ) ؛ الذي أقام بالمشرق ثلاثة عشر عامًا أو تزيد، فلقي مشايخ الأمة، وارتوى من علمهم، حتى كان فردًا لا نظير له في زمانه، في حفظ الحديث، والبصر بعلله ورجاله ونقده، والتكلم على الأصول، وهجر التقليد · فلما وصل بلده الأندلس، ضاق به الفقهاء، وأذاقوه الأمرين · فظل حائرًا هائمًا، وبقي مدة مضاعًا، حتى هم بالانصراف إلى المشرق ·
فاستغراب الدعوة إلى الاجتهاد، والتنديد بعلم الأصول الذي يؤدي إلى فتح بابه، وتنفير الناس من الاشتغال بكل ما من شأنه مقاومة التقليد، والتفلت من أغلاله · كل هذا أدى إلى ندرة المجتهدين أو عدمهم، الأمر الذي أصاب عموم الأمة بالفتور في الميادين كلها ·
4 -يجوزون عدم وصول الحديث للصحابي، ويكبرون ذلك على أئمتهم ·
ومما لا ينقضي له عجب المرء في أحوال المقلدة، أنهم إذا بلغهم عن بعض الصحابة رضي الله عنهم ما يخالف الحديث الصحيح من الأخبار، جوزوا عدم بلوغ الحديث إليه · ولم يثقل ذلك عليهم، ولا استنقصوه في حق الصحابة، وهو الحق الذي لا