إلا إبقاء الجامدين على جمودهم، وتمكين التقليد في نفوسهم، وإماتة روح التحرر والانعتاق فيهم، لكان كافيًا لجعله مفسدة، وأي مفسدة!
3 -إقامة النكير على من ادعى الاجتهاد:
حين تستحكم حلقات التقليد في بيئة، ويسود فيها الاحتكام إلى مذهب فقهي معين، وتتم فيها التبعية المطلقة له؛ لأن رأي إمامه في زعم أتباعه هو الشريعة -إذ أقاموا نصوص المذهب مقام نصوص الشارع- · في مثل هذه الأجواء يواجه كل من سولت له نفسه الخروج على المألوف، وإبداء الرأي والنظر فيما يستجد، والتنديد بالعكوف على القديم والتسليم به في كل ما يقرر من شؤون الحياة ··· قلت: يواجه عراقيل جمة؛ بحيث تصوب إليه سهام النقد، ويرمى بالنكير، ويلقى من صنوف الأذى ما يخرص صوته، ويجعله مهجور الفناء، مهتضم الجانب ·
وتاريخ حركة العلم في الأمة الإسلامية مليء بنماذج متنورة · رحلت طلبًا للعلم، وجابت الآفاق شرقًا وغربًا، فارتوت من علماء الأمة، ومجتهدي الملة، العلم الأصيل، والمعرفة الحقة · وعادت إلى أوطانها بعلم غزير، ودين قويم · يحدوها الأمل في بعث ما اندرس من معالم السنة، وإحياء مواتها · وتدفعها الرغبة إلى تجديد أمر الدين، والعودة به إلى أصليه العريقين: الكتاب والسنة · فلقيت من هذا الصنف الأمرين ·
ولقد رفع بعض المتنورين من العلماء عقيرتهم بالشكوى مما لحق هؤلاء؛ فهذا القاضي أبو بكر بن العربي يصور موقف فقهاء وطنه (الأندلس) من كل من أتاهم بجديد، محاولًا كسر الطوق، والظهور بمظهر التجديد · قال:"فكلما جاء أحد من المشرق بعلم، دفعوا في صدره، وحقروا من أمره، إلا أن يستتر عندهم بالمالكية، ويجعل ما عنده من العلوم على رسم التبعية" (1) ·
وكرر هذه الشكوى في موضع آخر، إذ يقول:"فإن ظهر عندهم من له معرفة، أو جاءهم بفائدة في الدين، وطريقة من سلف الصالحين، وسرد لهم البراهين؛ غمزوا جانبه، وقبحوا عجائبه · وعيبوا حقه استكبارًا· وجحدوا علمه، وقد استيقنته أنفسهم ظلمًا وعدوًا · وسعوا في إخمال ذكره، وتحقير قدره · وافتعلوا عليه · وردوا كل عظيمة إليه" (2) ·
وابن العربي نفسه لم يسلم من مكر هؤلاء · فحين عاد من المشرق يفيض كالسيل بألوان الفنون والمعارف بحثًا وتأليفًا وتدريسًا ومناظرة ووعظًا، وعكف على الفقه