يدورون في حلقة مغلقة من الشروح والحواشي والتعليقات والمتون والمناظرات · وكان الانكباب على هذه المؤلفات، والإلمام بما فيها حفظًا وفهمًا نهاية المطاف · ولم يكن من السهل على أي فقيه متحرر أن يتجاوز الاتجاه العام السائد، وإلا عد خارجًا عن حدود المذهبية المقدسة ·
ولنا عودة إلى مظاهر هذا الركود والجمود في مبحث مستقل ·
2 -شيوع مقالة: إن العمل على الفقه لا على الحديث:
من آثار التقليد السيئة؛ انتشار هذا القول في الناس، وتشبث المقلدين به، وإشهاره في وجه كل من حاول أن يبين لهم أن هذا الرأي الفقهي أو ذاك مما جمدوا عليه من الآراء والأقوال المذهبية، مخالف لحديث صحيح وارد في الموضوع ·
والحق أن أصل الفقه الكتاب والسنة، فهما ينبوعه ومأخذه، وعمدته ومبناه · وأما المصادر الأخرى كالإجماع والقياس وغيرهما، فيظهر بالتأمل أن كل واحد منها يرجع إليهما، ويستمد وجوده وقوته منهما ·
وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يسوغ القول بإثبات العمل على الفقه، ونفي العمل بالحديث؟ فإن العمل بالفقه هو عين العمل بالحديث، مراعاة لذلك التلازم المحكم بين الحديث والفقه · إذ الحديث أساس، والفقه بناء· وكل بناء على غير أساس فمنهار، كما أن كل أساس لا بناء عليه فخراب ·
بل غاية ما يمكن في توجيهه أن يقال: إن ذلك قول خاص، يوجه به إلى شخص خاص؛ وهو من ليس من أهل الاختصاص، كالعوام وأشباههم من أنصاف المتعلمين الذين لا يفهمون معنى الحديث، ولا يدركون مراميه ومقاصده، ولا يستوعبون ما ينبغي مراعاته من ضوابط وشروط في مقام الاستدلال أو الاحتجاج · بل يقبلون كل ما يورد عليهم منسوبًا إلى الرسول من غير تمييز ومعرفة · فهؤلاء لا بأس أن يقال لهم: يعمل بما جاء عن الفقيه الثقة، ولا يعمل بمجرد سماع الحديث· وعلى أمثال هؤلاء يتنزل قول ابن وهب: الحديث مضلة إلا للفقهاء (1) ·
وأما من كان من أهل الاختصاص والعلم بالحديث وفنونه، فلا ينبغي أن يلتفت إلى هذا القول؛ لأن من كان هذا شأنه لا يخفى عليه تمييز الأصل من الفرع، والتابع من المتبوع، والقوي من الضعيف · هذا إذا غضضنا الطرف عما ينطوي عليه هذا اللفظ من سوء في الأدب، وزغل في العلم، وانحراف في المنهج · فلو لم يكن فيه من الأثر