الصفحة 22 من 53

بخالقه، أو صلته بالناس، أو بالطبيعة والكائنات جميعًا · ولن يكف الإنسان عن هذا ما دام معه عقله، وما دام فيه نبض الحياة · بل هو مخالفة صريحة لسنة رسول الله، ومنهج الصحابة والتابعين من بعده، الذين اجتهدوا في تعرف كل ما يعرض لهم من محدثات الأمور، وإلحاقها بالشريعة أو إبعادها عنها ·

المبحث الرابع

آثار التقليد

يصعب حصر سلبيات التقليد، واستيعاب آثاره السلبية في فاعلية الاجتهاد في الفقه الإسلامي؛ ذلك أن التقليد ظاهرة غير صحية، وحالة مرضية نابتة في الأمة، ولابد أن ينشأ عنها أعراض تدل عليها، سواء في مجال الفكر، أو في التطبيق · والقصد هنا يتجه إلى رصد بعض الملاحظات والإشارات الدالة على ذلك ·

إذ إن من آثار التقليد:

1 -الزج بالفقه والفقهاء في دائرة الركود والجمود:

كان من أثر استفحال داء التقليد في الأوساط العلمية أن زج بالفقه والفقهاء في دائرة الركود والجمود · فقد ركد الفقه، وتعطلت فيه أنفاس الحياة والنشاط، ولم يعد مسايرًا لتقلبات الحياة، وتطورات المجتمع، كما كان من قبل · وتوقف الفقهاء عن العطاء، وجمدوا على نتاج من تقدمهم من الأئمة المجتهدين · وعوض أن يضيفوا جديدًا إلى التشريع، ويستأنفوا البناء حيث وقف المتقدمون، عكفوا على استهلاك الموروث، واستنفاد طاقاتهم في اجترار ظواهره وقشوره · فتعطلت فيهم الملكات، وتوقفت القدرات، وعجزوا عن تقديم الجديد ···

إن سيادة الفكر التقليدي المغلق، وانصراف العقول والأفكار عن تلمس العلل، والمقاصد الشرعية في فقه الأحكام، والاكتفاء بتقبل ما حوته الكتب المذهبية دون مناقشة؛ كل هذا جعل حركة الاجتهاد تفقد قوتها يومًا بعد يوم، ويخفت بريقها شيئًا فشيئًا، فلم تعد معيارًا تقاس به مكانة العلماء· إذ أصبحت المذهبية ظاهرة غالبة، وأصبح التقليد المنهج المتبع لدى معظم العلماء ·

وبتوقف عملية الاجتهاد بشكل نهائي، جمد الفقهاء جمودًا أدى إلى تعطيل المواهب البشرية التي منحها الله تعالى المرء للنظر والتدبر والتفكر والاعتبار · وأصبحوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت