للحكم في شريعة الله؛ جعل الفوضى تدب في التشريع والإفتاء والاجتهاد · فادعى الاجتهاد من لا أهلية له، وتصدى لإفتاء المسلمين جهال عبثوا بنصوص الشريعة، وبحقوق الناس ومصالحهم · فتعددت الفتاوى وتباينت، واختلفت الأحكام في الأقضية وتضاربت، حتى كان يصدر في المسألة الواحدة أقوال، وفتاوى متعددة، فتستباح دماء المسلمين في بلد، وتصان في بلد آخر · وكل ذلك نافذ في المسلمين، وكله يعد من أحكام الشريعة ·
ومن أجل ذلك، رأى أهل العلم والبصر بالفقه -في أواخر القرن الرابع- أن يسدوا باب الاجتهاد، وأن يجعلوا القضاة والمفتين مقيدين بأقوال الأئمة الأربعة المعروفين الذين أجمعت الأمة على الرضا بهم ·
وبهذا وقع المسلمون في الجمود على أقوال السابقين، الذين كانوا هم أنفسهم يصرحون بأنهم عرضة للخطأ ·
وفي هذا يقول ابن خلدون:"ووقف التقليد في الأمصار عند هؤلاء الأربعة، ودرس المقلدون لمن سواهم · وسد الناس باب الخلاف وطرقه؛ لما كثر تشعب الاصطلاحات في العلوم، ولما عاق عن الوصول إلى رتبة الاجتهاد، ولما خشي من إسناد ذلك إلى غير أهله، ومن لا يوثق برأيه ولا بدينه · فصرحوا بالعجز والإعواز، وردوا الناس إلى تقليد هؤلاء، كل بمن اختص به من المقلدين ··· ولم يبق إلا نقل مذاهبهم · وعمل كل مقلد بمذهب من قلده منهم بعد تصحيح الأصول واتصال سندها بالرواية، لا محصول اليوم للفقه إلا هذا · ومدعي الاجتهاد لهذا العهد مردود على عقبه، مهجور تقليده · وقد صار أهل الإسلام اليوم على تقليد هؤلاء الأئمة الأربعة (1) ·"
ومهما كان الدافع إلى إغلاق باب الاجتهاد -وهو دافع حسن له ما يبرره-؛ فإن من المؤكد أن هذا الإغلاق قد أغلق النافذة الأخيرة التي كان الفقه الإسلامي يتنسم من خلالها نسمات متجددة تكفل له استمرار الحياة والتدفق والعطاء ·
فالقول بإغلاق باب الاجتهاد هو إلغاء للعقل، وقتل للملكات الإنسانية، وتحول بالإنسان من كائن مكلف -أي مستقل بإرادته وتفكيره- إلى كائن آلي، يتحرك دون تفكير ولا تقدير · بل إن إبطال الاجتهاد -تحت أي ظرف، ولأي داعية- مصادمة للطبيعة الإنسانية، وحمل للإنسان على ما لا يقدر عليه؛ لأنه لا يستطيع أن يكف عن التفكير، وتقليب وجوه الرأي في كل ما يعرض له، من كبير الأمور وصغيرها · سواء في صلته