الصفحة 20 من 53

وحسن الاستنباط، والاتباع التام لكتاب الله وسنة رسوله عليه السلام · فظهرت كتب تشيد بمناقبهم، وعد آيات نبوغهم ومقدرتهم، حتى لقد تطرف بعضهم فنال من بعض الأئمة المخالفين ·

أما تفصيلًا، فذلك بترجيح المذهب في كل مسألة اجتهادية، وإقامة البراهين على صحته، وبطلان ما يخالفه · فوضعت كتب الخلاف التي كانت مرتعًا خصبًا للانتصار لإمام المذهب، والانتقاص من مخالفه · ولا يخلو ذلك من التكلف أحيانًا ·

فهذا وذاك شغل فقهاء المذهب، وصرفهم عن الأساس التشريعي الأول؛ وهو القرآن والسنة · وصار الواحد منهم لا يرجع إلى نص قرآني، أو حديثي، إلا ليلتمس فيه ما يؤيد مذهب إمامه، ولو بضرب من التعسف في الفهم والتأويل · ففنيت بذلك شخصيات الفقهاء في شخصيات متبوعيهم من الأئمة، وماتت فيهم روح الاستقلال في التفكير، فصاروا مقلدين تابعين، لا أئمة متبوعين ·

هذا، مع الإشارة إلى أنه لا يخطر ببال هؤلاء الفحول ثبوت العصمة لأي إمام في اجتهاده · وقد كان الأئمة أنفسهم يعترفون بجواز الخطأ عليهم؛ إذ يجوز أن تكون هناك سنة لم يطلعوا عليها، حتى أثر عن غير واحد منهم هذه الجملة: إذا صح الحديث فهو مذهبي، واضربوا بقولي عرض الحائط (1) ·

ولعل أخطر ما في العصبية المذهبية من فساد، كونها تجعل المتعصب في غالب أحواله يعرض عن الدليل، ويستعيض عنه بأقوال الرجال · وقد صور الإمام الشاطبي مآل هؤلاء فقال:"ولقد زل بسبب الإعراض عن الدليل والاعتماد على الرجال، أقوام خرجوا بسبب ذلك عن جادة الصحابة والتابعين، واتبعوا أهواءهم بغير علم، فضلوا عن سواء السبيل" (1) ·

2 -إغلاق باب الاجتهاد:

يعد هذا السبب من أكبر الأسباب التي أدت إلى ركود الفقه وجموده· فبالرغم من أن حركة الاجتهاد قد ضعفت بعد عصر الأئمة المجتهدين، لانصراف العلماء إلى التدوين والتبويب والتقسيم، إلا أن الاجتهاد لم يتوقف نهائيًا، بل ما زال العلماء يمارسون حقهم الاجتهادي، ولو في إطار ضيق، كالاجتهاد المقيد، ···

غير أن إهمال المسلمين لمسألة تنظيم السلطة التشريعية، وغياب نظام إداري أو تشريعي صارم يقصر الفتوى على من هم أهل لها، ويأخذ على أىدي غير الصالحين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت