الصفحة 19 من 53

"قلت مرة لشيخنا الإمام البلقيني: ما تقصير الشيخ تقي الدين السبكي عن الاجتهاد وقد استكمل إليه؟ وكيف يقلد؟ قال: ولم أذكره هو! -أي شيخه البلقيني- استحياء منه، لما أردت أن أرتب على ذلك، فسكت ·"

فقلت: فما عندي أن الامتناع من ذلك إلا للوظائف التي قدرت للفقهاء على المذاهب الأربعة، وأن من خرج عن ذلك واجتهد لم ينله شيء من ذلك، وحرم ولاية القضاء، وامتنع الناس من استفتائه، ونسب إليه البدعة· فتبسم ووافقني على ذلك" (2) ·"

يضاف إلى هذا، جور أكثر القضاة؛ فإنه لما جار أكثرهم، ولم يكونوا أمناء، لم يقبل منهم إلا ما لا يريب العامة فيه، ويكون شيئًا تكلم فيه المتقدمون (1) ·

ما تقدم، يمكن عده أسبابًا أدت بطريقة غير مباشرة إلى التقليد· وهناك أسباب موضوعية ساهمت بطريقة مباشرة إلى ترسيخ التقليد في الناس، تتمثل فيما يأتي:

1 -التعصب المذهبي:

تعد ظاهرة التعصب المذهبي من أكبر مثبطات عملية الاجتهاد، ومن أبرز عوامل ترسيخ التقليد وتمكينه في النفوس · فقد كان مريد الفقه في العصور الذهبية للأمة يتوجه إلى دراسة كتاب الله تعالى، ورواية سنة نبيه عليه السلام، مستعينًا بعلوم الآلة في الوقوف على ما تضمناه من معان وحكم وتشريع · فأصبح في العصور المتأخرة يتلقى كتب إمام معين، يقضي شطرًا من عمره في فهمها واستيعاب ما فيها، ويدرس الطريقة التي استنبط بها الإمام ما دونه من الأحكام · فإذا حصل ذلك كان من الفقهاء المعدودين · وقد تعلو به همته فيؤلف كتابًا في فقه إمامه؛ إما اختصارًا لمؤلف سبق، وإما شرحًا له، وإما جمعًا لما تفرق في كتب شتى· ولا يستجيز الواحد منهم أن يقول في مسألة من المسائل قولًا يخالف ما أفتى به إمامه؛ كأن الحق كله نزل على لسان إمامه وقلبه، حتى قال طليعة علماء الحنفية؛ أبو الحسن الكرخي: الأصل أن كل آية تخالف قول أصحابنا فهي مؤولة أو منسوخة · وكل خير يجيء بخلاف قول أصحابنا كذلك فهو مؤول أو منسوخ (2) ···

ولا يخفى أن التعصب لفكرة ما يحمل الإنسان على الجمود عليها، والتعلق بأهدابها، ودعوة الناس إليها دون سواها (3) · وهذا هو صنيع الفقهاء الذين جاءوا بعد عصر الأئمة؛ فقد عنوا بدراسة مذاهبهم، ونشرها، والانتصار إليها جملة وتفصيلًا ·

أما جملة، وذلك بنشر ما كان عليه إمام المذهب من العلم الواسع، والورع الصادق،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت