ولله در الفقيه القيرواني سعيد بن الحداد إذ يقول:"إنما أدخل كثيرًا من الناس في التقليد، نقص العقول، ودناءة الهمم" (1) ·
ومما زاد الأمر سوءًا، ما فشا من أمراض خلقية بين العلماء، حالت بينهم وبين السمو إلى مرتبة الاجتهاد، فقد فشا فيهم التحاسد والأنانية· فكان أحدهم إذا طرق باب الاجتهاد، فتح من نفسه أبوابًا من التشهير به، وحط أقرانه من قدره · وإذا أفتى في واقعة برأيه، قصدوا إلى تسفيه رأيه، وتفنيد ما أفتى به بالحق وبالباطل · فلهذا كان العالم يتقي كيد أقرانه بالظهور أمامهم بأنه مقلد وناقل، لا مجتهد مبتكر ·
وبهذا ماتت روح النبوغ، ولم ترفع في الفقه رؤوس، واهتزت ثقة العلماء بأنفسهم، وثقة الناس بهم، فولوا وجههم نحو نتاج الأئمة المتقدمين (2) ·
3 -تدخل الولاة في القضاء:
كان القضاء في عصر الخلافة الراشدة والأموية، من أكبر العوامل التي أدت إلى إثراء الفقه الإسلامي بالآراء المتجددة · غير أن تدخل الولاة في أمور القضاء زعزع مركز القاضي وسلطانه؛ حيث أصبح القاضي منفذًا لإرادة الحاكم، يوجهه وفق ما يريد، وبالطريقة التي تحفظ له مكانته بعيدًا عن الشبهات، ولهذا سقطت هيبة القضاء، ولم يعد أداة لحماية الحقوق ···
قال الإمام الغزالي -وهو يصف التغيير الذي أصاب العلماء بعد القرن الرابع الهجري، وانتقالهم من حال العز إلى حال الذل-:"فكانوا -أي العلماء- إذا طلبوا للفتيا والقضاء- هربوا وأعرضوا، فاضطر الخلفاء إلى الإلحاح في طلبهم لتولية القضاء والحكومات · فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء، وإقبال الأئمة والولاة عليهم مع إعراضهم عنهم، فاشرأبوا طلبًا للعلم توصلًا إلى نيل العز، ودرك الجاه من قبل الولاة · فأكبوا على علم الفتاوى، وعرضوا أنفسهم على الولاة، وتعرفوا إليهم، وطلبوا الولايات والصلات منهم · فمنهم من حرم، ومنهم من أنجح · والمنجح لم يخل من ذل الطلب، ومهانة الابتذال · فأصبح الفقهاء بعد أن كانوا مطلوبين طالبين· وبعد أن كانوا أعزة بالإعراض عن السلاطين، أذلة بالإقبال عليهم، إلا من وفقه الله تعالى في كل عصر من علماء دين الله · وقد كثر الإقبال في تلك الأعصار على علم الفتاوى والأقضية لشدة الحاجة إليها في الولايات والحكومات" (1) ·
يشهد لهذا الذي قرره الغزالي؛ ما قاله الولي أبو زرعة في حق شيخه البلقيني، قال: