الصفحة 17 من 53

فتحول ذلك إلى النزاع السياسي، وانتحل كل خليفة من الخلفاء الثلاثة مذهبًا يخالف غيره · فأصبح الفاطميون يوجهون دعاتهم من الشيعة لنشر مبادئهم ضد بني العباس، وبني أمية · وأصبح بنو أمية، وبنو العباس يطعنون في نسب الفاطميين، ويحكمون بابتداعهم، بل بكفرهم ·

وهذا العمل موجب لقطع الصلات، موجب لتفرق آراء العلماء وتدابرهم، وكل ذلك مؤثر في الفقه تأثيرًا عظيمًا (1) ·

ولعل أهم هذه الآثار، غياب الرحلات العلمية، هذه الرحلات التي هي من منعشات العلم؛ فالمتقدمون، لم ينالوا تلك الدرجات السامية إلا بارتحالهم، وملاقاتهم أقطاب العلم في مختلف البلدان، ومدارستهم لهم، ومناقشتهم إياهم · فالتلقي يفيد ما لا تفيده المطالعة المجردة · إذ هو أفعل في شحذ الذهن، وإيقاظ الفكر، وأقرب توصيلًا للمراد، وأبعد عن الإيهام والاحتمال · إذ يسهل للمتلقي الاستفسار عما يعزب عنه، ولا يحتاج إلى دراسة المبادئ والاصطلاحات التي تختلف باختلاف المؤلفين، والتي يقطع الطالب في دراستها وقتًا طويلًا ·

2 -قصور الهمم:

كان التمزق السياسي الذي طرأ على الأمة الإسلامية بعد القرن الرابع ذا أثر بالغ في شل قوتها وتدهور عامة أمورها؛ حيث أحال حياتها العقلية إلى انحطاط، ونشاطها التشريعي إلى فتور · فدب الوهن في النفوس، وأصيبت الهمم بالخمول، فقصرت عن الاجتهاد المطلق، ومالت إلى الاقتصار على الترجيح في الأقوال المذهبية، والاختيار منها، وعزفت عن الرجوع إلى المنابع التشريعية الأولى لاستمداد ما تحتاج إليه حياة الناس منها من أحكام · واستنام الفقهاء إلى المذاهب الأربعة المعروفة، بعد أن دونت وصار لها أتباع أقوياء، وبلغت من القوة المدى البعيد، أغراهم بها أن وجدوا في مضامينها حلول ما كان يجدّ لهم من مشاكل وواقعات، فصاروا عالة على جهود السابقين · فلم يكن لهم إلا نصيب الحكاية لأقوالهم، والقناعة بما بين أيديهم من بضاعة · أما الابتكار وانتهاج طريقة السلف فلم يكن عندهم منه شيء ·

ماتت فيهم روح الاستقلال الفكري في التشريع، ولم يملكوا القدرة على ارتياد المعين الذي لا ينضب ماؤه؛ وهو القرآن والسنة · فتوقفت حركة الاجتهاد والتجديد والتقنين ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت