الصفحة 16 من 53

وتنوسي الاجتهاد المطلق حتى قال النووي بانقطاعه من رأس المائة الرابعة (1) · وحتى صحح عياض في الاعتبار والنظر قول بعض المشايخ:"إن الإمام لمن التزم تقليد مذهبه، كالنبي عليه السلام مع أمته، لا يحل له مخالفته" (2) ·

على أن الفقهاء الذين نبغوا بعد القرون الثلاثة الأولى، لم يقاربوا مرتبة أحد من الأعلام أصحاب المذاهب الذين سادوا في زمانهم، وبلغوا الذروة في أعصارهم · لقد ذهبت تلك الروح العظيمة القوية التي كانت تسير أولئك الفقهاء الأعلام، المستقلين في تفكيرهم؛ تلك الروح التي جعلت أبا حنيفة يقول في أسلافه: هم رجال ونحن رجال · وأملت عليه أن يقول:"إذا جاء الحديث عن رسول الله أخذنا به، وإذا جاء عن الصحابة تخيرنا، وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم" (3) · بل التي جعلت مالك ابن أنس يقول:"ما من أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ومردود عليه إلا رسول الله" (4) · لقد حل محل تلك الروح ما سماه الكاتبون في تاريخ الفقه بروح التقليد ·

وبذهاب هذه الروح القوية المستقلة، فترت همم العلماء، وران الضعف على العقول والقلوب، واطمأن الناس إلى التقليد ·

ولا شك أن وراء هذا أسبابًا وعوامل أدت إليه، نجمل الحديث عنها فيما يلي:

1 -عوامل سياسية:

ساهمت العوامل السياسية في إضعاف الحركة العلمية بشكل عام، والحركة الفقهية بشكل خاص · فقد تقطعت أوصال الدولة الإسلامية في هذا العصر، وصارت دويلات وإمارات تجتمع حينا، وتفترق أحيانًا· وانشغل الولاة بالمنازعات والحروب، وانصرفوا عن معركة البناء الداخلي، مما أدى إلى تمزق اجتماعي وأخلاقي وعلمي ··· فغابت الدولة الكبرى التي كانت تحرس العلم، وتشجع الفقهاء، وتدعوهم للبحث، وتثيب عليه، فكان لغيابها أثر -بلا شك- في حياة الفقه نفسه، فبدأ يأخذ في الركود والوقوف على ما كان، وفارقته -أو كادت- الحياة الدافقة المتجددة ·

وقد قرب إلينا العلامة الحجوي مجمل التاريخ السياسي لهذه الفترة بقوله: صارت الخلافة في القرن الرابع يدعيها ثلاث دول عظمى: بنو العباس الذين هم تحت سيطرة الديلم في بغداد، والشيعة في مصر وإفريقيا والشام والحجاز، وبنو أمية في الأندلس ·

وكل هذا مؤثر في الفقه كما لا يخفى؛ لانقطاع الصلات بين هذه الأقطار بالحروب · ومن المعلوم أن العلم كان ناميًا بالرحلة، وحصول التنافس بين علماء أقطار الإسلام،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت