ومتى كان في السنة حديث ثابت، فلا يتبع فيها خلاف أثر من الآثار، ولا اجتهاد أحد من المجتهدين ·
وإذا فرغوا جهدهم في تتبع الأحاديث، ولم يجدوا في المسألة حديثًا أخذوا بأقوال جماعة من الصحابة والتابعين، لا يتقيدون بقوم دون قوم، ولا بلد دون بلد، كما كان يفعل من قبلهم · فإن اتفق جمهور الخلفاء والفقهاء على شيء فهو المقنع · وإن اختلفوا أخذوا بحديث أعلمهم علمًا، وأورعهم ورعًا، أو أكثرهم ضبطًا، أو ما اشتهر عنهم ·
وقد يلجؤون إلى التأمل في عمومات الكتاب والسنة، وإيماءاتهما، واقتضاءاتهما · ويحملون المسألة على نظيرتها في الجواب إذا كانتا متقاربتين بادئ الرأي، لا يعتمدون في ذلك على قواعد من الأصول؛ ولكن على ما يخلص إلى الفهم، ويثلج به الصدر · كما أنه ليس ميزان التواتر عدد الرواة، ولا حالهم؛ ولكن اليقين الذي يعقبه في قلوب الناس (1) ·
وبجانب المحدثين نشأت جماعة أخرى من العلماء يهابون الرواية، ولا يهابون الفتيا؛ إذ لم يكن عندهم من الأحاديث ما يقدرون به على استنباط الفقه على الأصول التي اختارها أهل الحديث · ولم تنشرح صدورهم للنظر في أقوال علماء الأمصار، وجمعها والبحث عنها · واتهموا أنفسهم في ذلك، وكانوا اعتقدوا في أئمتهم أنهم في الدرجة العليا من التحقيق· وكأن قلوبهم أميل شيء إلى أصحابهم ·
وكان عندهم من الفطنة والحدس وسرعة انتقال الذهن من شيء إلى شيء ما يقدرون به على تخريج جواب المسائل على أقوال أصحابهم، فمهدوا الفقه على قاعدة التخريج ·
هذا، وقد بدأ التقليد يدب في أوصال الفقه الإسلامي من مبدأ المائة الثالثة إلى منتهى الرابعة؛ حيث وقف الفقه في قوته، ولم يتقدم إلى الأمام · وغلب التقليد في الفقهاء، ورضوا به خطة لهم · وأصبحوا عالة على فقه أبي حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأضرابهم ممن كانت مذاهبهم متداولة إذ ذاك، وانساقوا إلى اتخاذ أصول تلك المذاهب دوائر، حصرت كل طائفة نفسها بداخلها لا تعدوها ·
وصارت أقوال هؤلاء الأئمة بمنزلة نصوص الكتاب والسنة · فنشأت بذلك حواجز بين الأمة وبين نصوص الشريعة، ضخمت شيئًا فشيئًا إلى أن تنوسيت السنة، ووقع البعد من الكتاب · وحلت نصوص الأئمة وأقوالهم محل نصوص الشريعة، وصار الذي له القوة على فهم كلام الإمام، والتفريع عليه مجتهدًا مقيدًا، أو مجتهد المذهب ·