الصفحة 14 من 53

وذهب بعض أصحاب أبي حنيفة (6) إلى أنه يجوز للعالم أن يقلد عالمًا ·

وبه قال أحمد، وإسحاق بن راهويه (7) · وسفيان الثوري (8) · وقال أبو العباس القرطبي:"وهو الذي ظهر من تمسكات مالك في الموطأ" (9) ·

وقيده ابن رشد الحفيد بأن يكون أعلم منه · وترجح عنده حسن الظن به ترجحًا يفضل عنده الظن الواقع له في الشيء من اجتهاده (01) ·

هذا على الإجمال؛ وإلا فمن الأصوليين من فصل، وذكر وجوهًا ومذاهب متعددة (11) ·

وعلى الجملة، فالناس صنفان: صنف فرضه التقليد؛ وهم العوام الذين لم يبلغوا رتبة الاجتهاد · وصنف ثان؛ وهم المجتهدون الذين كملت لهم شروط الاجتهاد ·

المبحث الثالث

أسباب التقليد (دواعيه)

لم يكن التقليد معروفًا في القرنين الأول والثاني، ولم يحدث إلا بعد انقراض خير القرون · وفي ذلك يقول أبو طالب المكي:"إن الكتب والمجموعات محدثة، والقول بمقالات الناس، والفتيا بمذهب الواحد من الناس، واتخاذ قوله، والحكاية له في كل شيء والتفقه على مذهبه - لم يكن الناس قديمًا على ذلك في القرنين الأول والثاني" (1) ·

وهذا يعني أن حدوث التمذهب بمذاهب الأئمة الأربعة، إنما كان بعد انصرام عصر الأئمة؛ أئمة الاجتهاد · وأن العامة من المسلمين كانوا في المسائل التي أجمعت عليها الأمة، لا يتبعون إلا صاحب الشرع · وكانوا يتعلمون أحكام الدين من المعلمين والفقهاء في بلدانهم · وإذا نزلت بهم واقعة استفتوا فيها أي مفت وجدوا من غير تعيين مذهب ·

أما الخاصة من أهل العلم، فكانوا يشتغلون بالحديث، فيخلص إليهم من أحاديث النبي وآثار الصحابة ما لا يحتاجون معه إلى شيء آخر في المسألة، فإن لم يقفوا في المسألة على ما تطمئن به قلوبهم لتعارض النقل، وعدم وضوح الترجيح ونحو ذلك، رجعوا إلى كلام بعض من مضى من الفقهاء، فإن وجدوا قولين اختاروا أوثقهما وأجراهما على قواعد التشريع · وكانت القواعد المتبعة في الترجيح عندهم، أنه إذا وجد في المسألة قرآن ناطق، فلا يجوز التحول منه إلى غيره · وإذا كان القرآن محتملًا لوجوه، فالسنة قاضية عليه · فإذا لم يجدوا في كتاب الله أخذوا سنة رسول الله ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت