معرفة الأحكام بخلاف غيره (3) ·
وقد يشكل على هذا أتباع المذاهب المتبحرون؛ فإنهم لم ينصبوا أنفسهم نصبة المقلدين، ولا يمكن إلحاقهم بالمجتهدين · إذ لا يقلد مجتهد مجتهدًا ·
استظهر بعض الأصوليين (4) أن مرتبتهم مرتبة العوام، وأنهم مقلدون· وفرقوا بينهم وبين العوام بأنهم"يحفظون الآراء التي للمجتهدين فيخبرون عنها العوام، من غير أن تكون عندهم شروط الاجتهاد · فكأن مرتبتهم في ذلك مرتبة الناقلين عن المجتهدين" (1) ·
غير أنهم قد لا يقفون عند هذا الحد، بل يتعدون فيقيسون أشياء لم ينقل فيها عن مقلديهم حكم، فيجعلون أصلًا ما ليس بأصل · ويصيرون أقاويل المجتهدين أصولًا لاجتهادهم ·
وفي هذا ما فيه من خطورة على الاجتهاد ·
ولهذا جنح بعضهم إلى جعلهم مجتهدين بشرط الالتزام بعدم إحداث مذهب جديد · فقد نقل الزركشي (2) عن ابن المنير أن المختار في حق هؤلاء أنهم مجتهدون ملتزمون أن لا يحدثوا مذهبًا ·
أما كونهم مجتهدين؛ فلإلمامهم ببعض أوصاف المجتهدين · وأما كونهم ملتزمين أن لا يحدثوا مذهبًا؛ فلأن إحداث مذهب زائد، بحيث يكون لفروعه أصول وقواعد مباينة لسائر قواعد المتقدمين، متعذر الوجود، لاستيعاب المتقدمين سائر الأساليب (3) ·
الثالث: العالم المجتهد:
أما العالم الذي كملت له آلات الاجتهاد؛ فإنه لا يجوز له أن يقلد غيره· إذ فرضه ما أداه إليه اجتهاده (4) ·
وهو قول جماعة من الفقهاء · وقد نسبه الباجي (5) إلى أكثر مالكية بغداد · ونص على أنه مذهب القاضي أبي بكر الباقلاني؛ وجماعة من أصحاب الشافعي· بل قال أبو إسحاق الإسفرائيني: إنه مذهب الشافعي (6) ·
واختار هذا القول الشيرازي (7) ، وأبو الخطاب الكلوذاني (8) ؛ ونص على أنه روي من طريقين عن الإمام أحمد ·
كما نصره ابن العربي (1) ، وابن رشيق (2) · ونص ابن القصار (3) ، والباجي (4) ، والقرافي (5) على أنه مذهب مالك وأكثر أهل السنة ·