الصفحة 12 من 53

يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا؛ وذلك -والله أعلم- لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحليل والتحريم والقول في العلم" (2) ·"

ومنع قوم من شيوخ معتزلة بغداد من تقليد العامي للعالم في فروع الشريعة، وقالوا: لا يجوز له أن يأخذ بقوله إلا بعد أن يبين له حجته (3) ·

ونقلوا عن أبي علي الجبائي أنه أباح للعامي تقليد العالم في مسائل الاجتهاد من الفروع، دون ما ليس من مسائل الاجتهاد (4) ·

والصحيح جواز تقليده فيهما، لدليلين (5) :

الأول: إجماع الصحابة؛ فإنهم يفتون العامة في غامض الفقه، ولا يعرفونهم أدلتهم، ولا ينبهونهم على ذلك، ولا يأمرونهم بنيل رتبة الاجتهاد، ولا ينكرون عليهم اقتصارهم على مجرد أقاويلهم · وهذا معلوم على الضرورة والتواتر من علمائهم وعوامهم ·

وسار العلماء على هذا في كل عصر · لا ينكرون على العامة الاقتصار على مجرد أقاويلهم · ولا يلزمونهم أن يسألوهم عن وجه اجتهادهم ·

الثاني: أن الإجماع منعقد على أن العامي مكلف بالأحكام · وتكليفه رتبة الاجتهاد محال؛ لأن ذلك يؤدي إلى انقطاع النسل والحرث والتجارات والمعايش، وما لا تتم أحوال الناس إلا به · وذلك سبب لفساد العالم ·

وقد علل ابن السمعاني (1) جواز تقليد العوام العلماء بقوله:"فإنما جاز؛ لأنا لو أوجبنا عليهم معرفة الأحكام بالدلائل والحجج، لاشتدت المحنة عليهم، وعظمت البلوى فيهم · فإنا إذا ألزمنا الكافة النظر في الدلائل أدى إلى مفسدة راجعة إلى كافة الناس؛ لأنه لا يكون فيهم من يقوم بأمر مصالح دنياهم، وما تقوم به معايشهم · ويفسد نظام الأحوال في الأفعال والأعمال"·

الثاني: العالم الذي يتسامى عن رتبة العامة:

المقصود من حصل طرفًا صالحًا من العلوم المعتبرة، ولم يبلغ درجة الاجتهاد -والذي عليه أكثر الأصوليين (2) - أنه كالعامي الصرف، يستفتي ويقلد عالمًا، لعجزه عن الاجتهاد ·

وقال قوم: لا يجوز ذلك، ويجب عليه معرفة الأحكام بطريقه؛ لأنه يملك صلاحية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت