القول الثاني: وجوب التقليد مطلقًا:
يرى أصحاب هذا القول أن طريق معرفة الحق التقليد · وأن ذلك هو الواجب · وأن النظر والبحث حرام (1) ·
وهذا القول نسبه الغزالي إلى الحشوية (2) والتعليمية (3) ·
وقد علق الشوكاني (4) على مذهبهم بقوله:"وهؤلاء لم يقنعوا بما هم فيه من الجهل، حتى أوجبوه على أنفسهم وعلى غيرهم · فإن التقليد جهل وليس بعلم"·
القول الثالث: التفصيل:
وهو التفريق بين العامي والمجتهد؛ فيجب التقليد على العامي، ويحرم على المجتهد · وهو المعتمد، الذي عليه أئمة المذاهب الأربعة وكثير من أتباعهم· واختاره أكثر العلماء (1) ·
ولضبط هذا القول، وجمع شتات أفراده نقول: إن العلوم ضربان:
ضرب لا يسوغ فيه التقليد؛ وذلك معرفة الله تعالى، وأنه واحد، ومعرفة صحة الرسالة، وما يلحق بذلك من أصول العبادات، كالصلوات الخمس، والزكاة، والصوم، والحج، فإن الإجماع انعقد على أنه لا يجوز فيها التقليد ·
وإنما لا يجوز فيها التقليد؛ لأن كل واحد يمكنه معرفة الله تعالى· فهو علم يشترك في معرفته العام والخاص، ويعلم من الدين بالضرورة·
فهذا مما يشق على العامي معرفته، ولا يشغله عن أعماله ·
وضرب يسوغ فيه التقليد، ويتوقف معرفته على الخاصة · والناس فيه ثلاثة أصناف: العامي الصرف، والعالم الذي لم يبلغ رتبة الاجتهاد، والعالم المجتهد ·
الأول: العامي الصرف:
الجمهور على أن العامي يجب عليه التقليد في فروع الشريعة جميعها، ولا ينفعه ما عنده من العلوم التي لا تؤدي إلى الاجتهاد · وأن حكمه الاستفتاء واتباع العلماء (2) ·
وحكى ابن عبد البر الإجماع على هذا، فقال:"ولم يختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها · وأنهم المرادون بقول الله: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (1) · وأجمعوا على أن الأعمى لابد له من تقليد غيره ممن يثق بميزه بالقبلة إذا أشكلت عليه · فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به، لابد له من تقليد عالمه · وكذلك لم"