الصفحة 10 من 53

وهذا أبو العباس القرافي يوضح مذهب مالك والجمهور في المسألة، فيقول:"مذهب مالك وجمهور العلماء رضي الله عنهم وجوبه -أي الاجتهاد- وإبطال التقليد · لقوله تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم (1) · وقد استثنى مالك رحمه الله أربع عشرة صورة للضرورة · الأولى: قال ابن القصار (2) : قال مالك: يجب على العوام تقليد المجتهدين في الأحكام، كما يجب على المجتهدين الاجتهاد في أعيان الأدلة · وهو قول جمهور العلماء خلافًا لمعتزلة بغداد (3) ·"

وقال أبو بكر الصيدلاني (4) :"إنما نهى الشافعي رضي الله عنه عن التقليد من يبلغ رتبة الاجتهاد، فأما من قصر عن هذه الرتبة فليس له إلا التقليد" (5) ·

ناهيك أن إلزام كل مكلف بتحصيل رتبة الاجتهاد أمر في غاية الصعوبة، إن لم يكن متعذرًا · ويترتب عليه من النتائج السلبية الكثير؛ من ذلك:

1 -أن أصحاب هذا القول لم يشترطوا حدًا أدنى من المعرفة، بل ألزموا كل مسلم بالاجتهاد · ولك أن تتصور آلاف العقول المتفاوتة فيما بينها أشد التفاوت · وكلها تريد أن تجتهد في مسائل الشريعة؛ أصولها وفروعها، في العبادات، وفي المعاملات، وفي سائر الأمور ·

2 -إن إلزام كل المكلفين بالاجتهاد وفق الصورة التي رسمها ابن حزم، سوف يفتح بابًا من الفوضى لا تقف عند حد، ويفضي إلى زوال الشريعة واندراس معالمها؛ لأن الكل سوف يجتهد، دون تمييز بين ما ثبت بنصوص قطعية وما لم يثبت · وبين ما هو معلوم بالضرورة، وما ليس كذلك · وبين الأصول الاعتقادية المقررة بنصوص ثابتة وغيرها ·

3 -أن انصراف الناس كلهم إلى الاجتهاد، تاركين أعمالهم وحاجاتهم الدنيوية اللازمة لقوام حياتهم من بيع وشراء وحرفة وسفر، يؤدي إلى تعطيل المنافع ووقوع الناس في حرج عظيم ·

والحاصل أن ما قاله هؤلاء المانعون، فيه مبالغة ومجافاة للواقع، وصرف الآيات على غير ما أريد بها ·

والمسألة في الحقيقة بين إفراط وتفريط · والحق في الاعتدال، فابن حزم والشوكاني وأتباعهم ابتلوا في زمانهم بجماعة قالوا بإغلاق باب الاجتهاد · وأوجبوا التقليد حتى على العلماء · فصار عندهم رد فعل أبعدهم عن الحق والصواب · والله أعلم ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت