الصفحة 69 من 281

نجد في إطار التعامل مع شكل المحاورات التي ينفتح عليها النص القرآني وطبقات المتلقين اجتماع عناصر عديدة في هذا السياق لتسهم في تحقيق هذا الغرض وأولها المساحة الفكرية التي يوجدها أسلوب الاستفهام لان فيه كدًا ذهنيًا وبذل مجهود لاستكماله كبنية تحتاج الى جواب؛ فالمستفهم عادة يبتغي إشراك المخاطب ذهنيًا ليسهم في تكوين التصور الكامل عن

قضية ما في ذهنه ويقتضي جواب الاستفهام توافر عنصر الإقناع، لانه يشرك المخاطب في صنع الجواب (( ولما كان المسؤول يجيب بعد تفكر وروية كان في توجيه السؤال إليه حملًا له على الاقرار ) ) [1] ، ويخرج الاستفهام في ضوء هذا المقام عن حقيقة كونه طلبًا للإجابة لاختلاف الجهة السائلة، وهو اللَّه تعالى؛ فيتحقق عبر هذا الوضع تأكيد كون المستفهم (الله) تبارك وتعالى (( واثقًا من ان جواب المخاطب سيكون بالاثبات وإلا لما القي اليه ذلك السؤال لكن لثقته بأن الجواب لا يكون الا بالاثبات جاء الاستفهام وذلك آكد في الجواب ) ) [2] ، والفعل منقول هنا من الرؤية الى معنى الاخبار بمعنى أأبصرت أو أعرفت وشاهدت حاله العجيبة؟ أخبرني عنها ولا يستعمل الا في الاستخبار عن حالة عجيبة [3] ويبدو ان هذا الخطاب الذي توجه الى الرسول (- صلى الله عليه وسلم -) جيء به للتعبير عما (( يحسبه كل الناس مستغنيًا عن كل بيان؛

فيشير الى اقصى اليقظة والانتباه ويرهف الدهشة والترقب انتظارًا لجواب غير متوقع

وتطلعًا الى معرفة ماذا يكون التكذيب بالدين غير الذي يعلمون من أمره )) [4] ،

ونلحظ ان الاسم الموصول (الذي) قد وفر للخطاب خاصية الانفتاح لكونه من الفاظ العموم [5] ، ومعنى ذلك انه يمكن ان يكون عنصرًا إشاريًا الا ان الاحالة المتحققة به مقيدة بسبب جملة الصلة التي تعد من متممات وروده، الا ان فاعليته داخل السياق تتحقق في كونه

يجعل المعنى به جمهورًا كاملًا؛ فهو وان كان مرتبطًا في مقام نزوله بشخص بعينه الا ان صيغة العموم التي اختص بها تجعل منه سبيلًا من سبل مجاوزة الحدود الضيقة

للطرف المعني؛ فيكون متجددًا عبر الزمان والمكان، ويكون مع الاستفهام الذي

استهل به النص تقريرًا بمعنى (( هل عرفت الذي يكذب بالجزاء من هو؟ فإن لم تعرفه

(1) المعاني في ضوء اساليب القرآن /183.

(2) صفاء الكلمة /93.

(3) معاني النحو:1/ 432.

(4) التفسير البياني للقرآن الكريم:2/ 186.

(5) مناهل العرفان:1/ 118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت