فهرس الكتاب

      الصفحة 68 من 1

      ويدخل في هذا الإطار ايضًا سؤال موجه من اللَّه سبحانه الى الملائكة؛ إذ أننا نسمع وعلى مرأى من الناس سؤال بهمزة الاستفهام التي تطلب التقرير تشخيصًا لجمع من المشركين عبدوا الملائكة من دون اللَّه في قوله تعالى:(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاء إِيَّاكُمْ

      كَانُوا يَعْبُدُونَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ)

      [الآيتان 40 - 41 / سورة سبأ] .

      فعندما كان جواب الملائكة هو البؤرة التي تجتمع عندها مقاصد المشركين أكد الجواب القاطع بمقولتهم التي استهلوها بتنزيهه تعالى عن أي شيء نسب له من شريك او ولد او حد يحده، فتحققت فاعلية الظاهر والباطن في النص من خلال عناصر بنائية انطلقت بدءًا من الذات التي تسأل ولا تطلب الجواب لعلمها به والجهة التي توجه اليها السؤال (الملائكة)

      وهم لا شأن لهم في عبادة هؤلاء لهم، وكأن في الاعراض عن سؤالهم او توجيه الخطاب

      لهم تجاهلًا، وعدم اعتداد بهم او بردة فعلهم او جوابهم وسماع حجتهم ودفاعهم عن انفسهم، يعضد هذه الدلالة حصرهم في اسم الاشارة (هؤلاء) وكأن فعل الحشر الذي تصدر السياق الحديث عنه قد ارتكز على حصرهم في هذا الاسم (هؤلاء) استصغارًا لهم وتحقيرًا وتسفيهًا لعقولهم التي عبدت المخلوق دون الخالق؛ فكان المراد من السؤال (( أن يقول ويقولوا ويسأل ويجيبوا، فيكون تقريعهم اشد، وتعييرهم ابلغ وخجلهم اعظم، وهوانهم ألزم، ويكون اقتصاص ذلك لطفًا لمن سمعه وزجرًا لمن اقتص عليه ) ) [1] ، فلما كان القصد من حركة السؤال والجواب ان يسمع المشركون بانفسهم تبرؤا الملائكة منهم في حين انهم كانوا يرتقبون شفاعتهم إثر عبادتهم لهم، ويكون جواب الملائكة إحقاقًا للحق عليهم بالحجة. وقد يكون استعمال اسلوب الاستفهام في السياقات هذه عائدًا الى ما يحتاجه الاستفهام من حركة ذهنية والجواب ينم بعد روية وتفكير فيكون فيه حملًا على الاقرار افضل من النفي ابتداءً.

      وتشغل دلالة الجذر اللغوي للفعل (رأى) حيزًا كبيرًا في بناء الخطاب الموجه إلى المتلقي الاول ومنه الى جمهور محتمل عبر الزمان والمكان، ولعل ذلك راجع إلى الفضاء الدلالي الذي تستطيع ان تفتتحه دلالة الرواية والتي يمكنها ان تكون بصرية او قلبية ومنه

      إلى المشاهدة والعلم والخبر والمعرفة، وفي قوله تعالى: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) [الآيات 1 - 3 / سورة الماعون] .

      (1) الكشاف: 3/ 588.

      حجم الخط:
      شارك الصفحة
      فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
      . . .
      فضلًا انتظر تحميل الصوت