الذروة في قوله: (انا ربكم الاعلى) فالمتكلم يمتلك النفوذ والقوة الذي يقتضي ضعف المتلقي المتمثل بالسامعين الذين جمعهم بالمقابل، بحيث يبدو البون شاسعًا في عملية التخاطب وهذا الوضع يجعل المتلقي واقعًا تحت سلطة الخطاب، فأقتضى كونه الهًا ان يكون له
مؤلهون وعابدون وهم جمهور المتلقين المحشورون في زمانه، من هنا كان المدلول يتجاوز سطح النص إلى ما هو الصق بعالم الخطاب ليشخص لنا عالم هذا القول وليحيلنا إلى الضعف الذي كانوا فيه، فالتصريح جاء بربوبيته: (انا ربكم الاعلى) وسكت عن مربوبيه لكن يقولها مقتضاه ويتجسد المفهوم الإشاري في تشخيص حال هؤلاء المخاطبين غفلتهم وخضوعهم وهو أمر اكتسابي يختاره بعض الناس لانفسهم؛ فيكون الاثر المراد بعثه هو التنبيه على حال المخاطبين وتشخيص ما يصيبهم وما يختارونه لانفسهم، وما يؤيد غفلة هذه الجماهير انه لم يكن بحاجة الى الكثير من الادلة ليقنعهم بهيمنته واحتواء شخصه لكل ابعاد مفهوم الالوهية، فلابد لعالم المخاطبين من فهم مسبق لمعنى الالوهية التي حاول فرعون ان يقنعهم بأنها تنطبق عليه هو، فإذا كان الرب قويًا مقتدرًا. فهو قوي مقتدر، ونجده يبرز هذا الامر في قوله تعالى: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ) [1] ، فهو يحاول خداعهم باستخدام المشاهد الحسية، بأسلوب الاستفهام التقريري وكأن من لم يلتمس عظمته كان بحكم من لا يبصر، ثم نجده في مقام آخر يرد هازئًا بموسى (- عليه السلام -) ودعوته (مع التركيز على التأثير في المتلقين) ؛ لأن ما جاء به موسى (- عليه السلام -) حقيقة جاءت لتزعزع في اذهانهم أركان حقيقة اخرى وهي تحمل في الوقت نفسه من جهة المنطوق لفرعون انه أضلهم فيقول: (ما عملت لكم من إله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فأجعل لي صرحًا) [2] ، ولينفي هذه التهمة لا يمكن الا ان يمر عبر نفي الحقيقة التي جاء بها ولا يتأتى هذا الا بمجابهة القائل، ثم انه في قوله: (ما علمت لكم من اله غيري) نلحظ انه يحاول الضغط على المتلقي ليقنعه ويؤثر فيه ويحمله على الخضوع والتسليم ثم يقول في سياق آخر: (ما أريكم الا ما ارى وما اهديكم الا سبيل الرشاد) [3] ، فنجد من خلال ما سبق اعتماد المخاطبين على المتكلم في إيجاد سبيل الرشاد لهم؛ فهم عاجزون
(1) سورة الزخرف، الآية: 51.
(2) سورة القصص، الآية 39.
(3) سورة المؤمن، الآية 36.