ولقد كان الاستعمار والنفوذ الأجنبي يعرفان أن السيطرة الكاملة على هذه الأمة أمر مستحيل فإن لها من مقومات شخصيتها القويةل الصامدة العنيدة، ومن أسس فكرها العربي الإسلامي القرآني ما يحول دونها ودون الاستسلام أو الركوع أو الخضوع لأي قوة خارجية أجنبية، فكان لابد من الحملة على هذه المقومات للقضاء عليها وتحويل وجه الأمة إلى قيم أخرى تدمر كيانها وتفرض عليها التسليم للقوى الخارجية في أن تسود وتمتد وتتوسع، وبذلك يبقى الاستعمار حيًا في صورة أخرى من صور النفوذ الفكري.
إذن فالتغريب هو محاولة"تغيير المفاهيم"في العالم العربي والإسلامي والفصل بين هذه الأمة وبين ماضيها وقيمها، والعمل على تحطيم هذه القيم بالتشكيك فيها وإثارة الشبهات حول الدين واللغة والتاريخ ومعالم الفكر ومفاهيم الآراء والمعتقدات جميعًا.
ولقد صور لورد كرومر منهج هذا العمل الذي اصطنعته فرنسا وإنجلترا وهلوندى في العالم الإسلامي حين قال:"إن ىالشبان الذين يتلقون علومهم في إنجلترا وأوربا يفقدون صلتهم الثقافية والروحية بوطنهم، ولا يستطيعون الانتماء في نفس الوقت إلى البلد الذي منحهم ثقافته فيتأرجحون في الوسط ممزقين".
وكان هذا بالطبع هو الهدف من الإرساليات المختلفة التي غزت بلادنا في صورة مدارس وجامعات وفي البعثات الموجهة إلى أوربا وإلى عواصم الدول المختلفة بالذات.