وفي هذا، قال جبران إن الشباب الذي تناول لقمة من العلم في مدرسة أمريكية قد تحول بالطبع إلى معتمد أمريكي، والشاب الذي تجرع رشفة من العلم يسوعية صار سفيرًا لفرنسا والشاب الذي لبس قميصًا من نسج مدرسة روسية أصبح ممثلًا لروسيا وكان هذا هو الحق إلى حد كبير، فقد غزا الغرب الشرق، بجحافل من العلماء والمبشرين والمستشرقين والأثريين والصحفيين وشيدت مؤسسات ضخمة في مختلف عواصم العالم الإسلامي لفتح أبوابها لثقافة بلادها. وبدأ هذا النفوذ الفكري يعمل ويسيطر في مجالات المدرسة والجامعة والصحافة، والثقافة والتربية والطب والسينما والإذاعة.
وهكذا كان"التغريب"عملًا خطيرًا دقيقًا قوامه الحرب المنظمة للقيم التي عاشت عليها أمتنا، في أسلوب مغلف بالضباب، يحاول أن يثير غمامة كثيفة من التشكيك والتحقير والاستهانة بكل ما لدينا من قيم باسم"القديم"البالي الموروث، ولم تمض سنوات قليلة حتى كان أبرز المسيطرين على"الصحافة"في العالم العربي والإسلامي من هؤلاء المتنكرين لقيمنا الذاهبين مع التغريب فقد كانت الصحف التي تعمل للمبادئ تسقط واحدة بعد أخرى، بينما ظلت الصحف التي تخدم التغريب تقوى وتتوسع. وفي مجال"الترجمة"كان الهدف هو إذاعة القصة المكشوفة والآراء المسومة، وفي الأدب بث فكر جديد قوامه القصص وفي مجال المدرسة كانت تقدم الكتب التي تنتقص من قدرنا وتصم تاريخنا بالضعف وماضينا بالذلة وسيطر على الجو الفكري كله تيار جديد هدام قوامه الاستهانة بكل القيم وفي مقدمتها الدين والمعنويات، كما فرضت الحضارة على بلادنا أسوأ ثمراتها، لم ترسل لنا إلا تجارة الرقيق الأبيض والكحول ومواد الزينة واللهو بغية تحطيم كيان المجتمع، وبدت في جو مجتمعنا ريح تدعو إلى الرخاوة والمتعة واللذة والتخلص من كل القيود.