أقول:
مذهب أهل السنة والجماعة: أن لله تعالى يدين اثنتين حقيقيتين وهما من صفاته الذاتية الثابتة له على الوجه اللائق به.
وقد دل على تبوتهما الكتاب والسنة. فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) (سورة ص: آية 75) . ولا يصح أن يكون المعنى توليت أنا خلق آدم، فإن الله قد تولى خلق إبليس، ولو صح هذا لصح أن يقال: إن الله خلق إبليس بيده ونحو ذلك وهذا ممتنع؛ فإن الله تعالى أكرم آدم بأن خلقه بيديه، ولم يكرم إبليس بهذا.
ومن أدلة السنة: هذا الحديث الذي حرف معناه الشارح. فإن قوله تعالى في الحديث:"غرست كرامتهم بيدي"فيه إثبات صفة اليدين لله تعالى ولا يجوز تحريف معناها إلى القوة أو الذات؛ لأن الله تعالى خلق الجنة وخلق النار وخص الله تعالى الجنة بأن غرس كرامة أهلها بيده. والواجب الإيمان بظاهر الحديث ولا يجوز صرف الكلام عن حقيقته بلا دليل.
تنبيه:
وردت صفة اليدين في النصوص مضافة إلى الله تعالى على ثلاثة أوجه:
الوجه الأول: الإفراد مثل قوله تعالى: (تبارك الذي بيده الملك) (سورة الملك: آية 1) .
الوجه الثاني: التثنية ومن أمثلة التثنية قوله تعالى: (بل يداه مبسوطتان) (المائدة: 64) .
الوجه الثالث: الجمع مثل قوله تعالى: (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعامًا فهم لها مالكون) (سورة يس: آية 71) .
ومن المعلوم في لغة العرب أن الإفراد لا ينافي التثنية والجمع؛ لأن المفرد المضاف يعم فيصدق على الواحد والمتعدد، وعليه فلا منافاة بين الإفراد وبين التثنية والجمع.
وأما الجمع بين ما جاء بلفظ التثنية وبلفظ الجمع؛ فإن قلنا: أقل الجمع اثنان فلا منافاة بين صيغتي التثنية والجمع. وإن قلنا أقل الجمع ثلاثة وهو المشهور عند أهل أصول الفقه فالجمع بينهما أن يقال: إنه لا يراد من صيغة الجمع مدلولها الذي هو ثلاثة فأكثر، وإنما أريد بها التعظيم؛ فإن الجمع أدل على التعظيم من الإفراد والتثنية.