الصفحة 35 من 43

أمَّا شهادة الرَّجلين والرَّجل والامرأتين في الأموال فهي ثابتة بالكتاب لقوله تعالى {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء أَن تَضِلَّ احْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَىِ} [البقرة: 282] ، أي اطلبوا الشَّهادة من رجلين فإنْ لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان، وهذا في قضايا الأموال، كالبيع، والقروض، والدُّيون كُلّها، والإجارة، والرَّهن، والإقرار، والغصب.

قالت الأحناف:"شهادة النِّساء مع الرِّجال جائزة في الأموال، والنِّكاح، والرّجعة، والطَّلاق، وكُلّ شيء إلاَّ في الحدود والقصاص". ورجَّح هذا ابن القيم وقال:"إذا جوَّز الشَّارع استشهاد النِّساء في وثائق الدُّيون التي تكتبها الرِّجال مع أنَّها إنَّما تُكْتَب غالبًا في مجامع الرَّجال، فلأنَّ يسوغ ذلك فيما تشهده النِّساء كثيرًا كالوصية والرّجعة أوْلَى" [1] .

هذه المرتبة تترجَّح على ما دونها من مراتب الشُّهداء في الأموال، ولكن هل تستوي شهادة الرَّجلين مع شهادة الرَّجل الواحد والامرأتين من حيث القيمة الاستدلاليّة وقوّة الحُجَّة أم أنَّ شهادة الرَّجلين أرجح؟

الموازنة بين شهادة الرَّجلين وشهادة الرَّجل والامرأتين، اختلف الفقهاء فيها هل تستويان عند التَّعارض، أم أنَّ إحداهما أرجح.

وأساس الخلاف في اعتبار شهادة الرَّجل والامرأتين أصلًا أم تبعًا، وللفقهاء في المسألة رَايان:

الرَّاي الأوَّل: ذهب الحنفيّة، والشَّافعيّة في الرَّاجح، والحنابلة في المعتمد، والإماميّة، والظَّاهريّة، والزَّيديّة إلى أنَّ شهادة الرَّجل والامرأتين مثل شهادة الرَّجلين لكمال الحُجَّة من الطَّرفين، وقيل في"معين الحُكَّام":"وأمَّا شهادة رجل وامرأتين فمقبولة في جميع الأحكام إلاَّ في الحدود والقصاص. وعند الشَّافعيّ لا تقبل إلاَّ في الأموال وتوابعها. والصَّحيح قولنا؛ لأنَّ المرأة ساوت الرَّجل فيما يبتنى عليه أهليّة الشَّهادة، وهو القدرة على المشاهدة، والضَّبط، والحفظ، والأداء، لوجود آلة القدرة، وهو: العقل المميِّز المدرك للأشياء، واللَّسان النَّاطق، فتفيد شهادة النِّساء حصول غلبة الظَّنّ وطمأنينة القلب بصدق الشُّهود، بخلاف شهادة النِّساء وحدهنَّ لا تقبل؛ لأنَّ غلبة الظَّن تحصل بخبرهنَّ، ولكن الشَّرع لم يعتبرها حُجَّة؛"

(1) انظر: فقه السُّنَّة: السّيّد سابق، 3/ 441.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت