خلاصة القول: إنَّ بيِّنة إثبات الزِّنا تُدْحَض بمثلها أو بما دونها في القوّة عند التَّعارض، كشهادة النِّساء بالبكارة أو ثبوت أنَّها قرناء أو رتقاء بشهادة النِّساء على اختلاف مذاهب الفقهاء في شهادة النِّساء.
المسألة الثَّالثة: التَّعارض والتَّرجيح بين شهادة الرَّجلين، والرَّجل والامرأتين في الأموال:
شهادة الرَّجلين في إثبات بقية الحدود والقصاص هي موضع اتّفاق، وقيل: تجب في أحكام الأبدان عموما كالنِّكاح، والرّجعة، والطَّلاق، والإيلاء، والظِّهار، والنَّسب. وهو اختيار المالكيّة، والشَّافعيّة، والحنابلة [1] .
وخالفهم الحنفيّة والزَّيديّة، فقالوا بوجوب شهادة الرَّجلين في بقية الحدود والقصاص، وما سوى ذلك من الحقوق يُقْبَل فيها شهادة رجلين أو رجل وامرأتين، سواء كان الحقّ مالًا أو غير مال [2] . وأمَّا شهادة رجل وامرأتين فمقبولة في جميع الأحكام إلاَّ في الحدود والقصاص، وعند الشَّافعي لا تُقْبَل إلاَّ في الأموال وتوابعها. فرُوعيت الذُّكورة حسمًا لمادة الفساد بالقدر الممكن [3] ، ولا تقبل شهادة النِّساء في الحدود، لِمَا روى الزّهريّ أنَّه قال: مضت السُّنَّة من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخليفتين من بعده أبي بكر وعمر ـ رضي الله عنهما ـ أن لا شهادة للنِّساء في الحدود والقصاص؛ ولأنَّه تمكّنت الشُّبهة في شهادتهنَّ من حيث غلبة السَّهو والنّسيان، والحدود لا تثبت مع الشُّبهة.
وفي"فقه السُّنَّة":"تقبل شهادة الرَّجلين دون النِّساء في جميع الحقوق وفي الحدود ما عدا الزِّنا الذي يشترط فيه أربعة شهود، فإنَّ شهادة النِّساء في الحدود غير جائزة عند عامّة الفقهاء خلافًا للظَّاهريّة، يقول الله تعالى في الطَّلاق والرّجعة: {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ} [الطَّلاق: 2] ، وروى البخاريّ ومسلم أنَّ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - قال للأشعث بن قيس: (شاهداك أو يمينه) ، والقاعدة: إنَّ ما يسري في بيِّنة إثبات الزِّنا عند التَّعارض يسري هنا في بيِّنات إثبات بقية الحدود، إذ يجب درء الحدود كُلّها بالشُّبهات."
(1) انظر: فقه السُّنَّة: للسّيّد سابق، 3/ 442، والموسوعة الفقهيّة الكويتيّة، 27/ 231.
(2) انظر: فقه السُّنَّة: السّيّد سابق، 3/ 442، والموسوعة الفقهيّة الكويتيّة، 27/ 231، ومعين الحُكَّام، 1/ 395.
(3) انظر: معين الحُكَّام فيما يتردَّد بين الخصمين من الأحكام، 1/ 396.