الصفحة 33 من 43

أمَّا المالكيّة فقد ذهبوا إلى عدم الاعتداد بهذه البيِّنة في دحض بيِّنة إثبات الزِّنا؛ لأنَّه لا قول عندهم للنِّساء في الحدود. وفي"المدونة الكبرى":"قلت: أرأيت إذا شهد عليها بالزِّنا أربعة عدول، فقالت: إنّي عذراء أو رتقاء أيريها النِّساء في قول مالك أم لا؟ وكيف إنْ نظر إليها النِّساء فقلن: إنَّها عذراء أو قلن: إنَّها رتقاء؟ قال: يقام الحد، ولا يلتفت إلى قولهنَّ؛ لأنَّ الحدّ قد وجب، قال: وقد قال مالك في الجارية البكر يتزوجها الرَّجل فتقول: قد مسني، ويقول: لم أمسها، ويشهد النِّساء أنَّها بكر؟ قال مالك: إذا أرخيت عليهما السُّتور صدقت عليه، ولم تكشف الحرائر عن مثل هذا، ولا ترى الحُرَّة في مثل هذا، قلت: ولا يرى مالك أنْ يدفع حدًّا قد وجب بشهادة النِّساء إذا كان ذلك الشَّيء مِمَّا تجوز شهادة النِّساء فيه وهنَّ لم يشهدن على حدّ إنَّما شهدن على أنَّها بكر أو رتقاء، وهذا مِمَّا لا يشهد عليه إلاَّ النِّساء، وهل يشهد هاهنا غيرهنّ؟ فكيف يقيم الحدّ وشهادة النِّساء ها هنا فيما تجوز شهادتهنَّ فيه تبطل الحدّ؟ قال: لا أعرف أنَّ شهادتهنَّ تجوز هنا" [1] .

ولكنَّ مالكًا يرى الحدّ على المرأة، لأنَّ المثبت مقدم عنده على النَّافي، ولأنَّ من المحتمل أنْ يحصل الوطء دون أنْ يترتَّب عليه إزالة البكارة.

ولزفر ـ صاحب أبي حنيفة ـ رأي مماثل، هو أيضًا رأي الظَّاهريين.

ولكن ابن حزم الظَّاهري يرى أنَّ الحكم يختلف بحسب ما يقرِّر النِّساء على صفة عذرتها، فإنْ قلن: إنَّها عذرة يبطلها إيلاج الحشفة ولا بُدَّ وأنَّه صفاق عند باب الفرج، فقد أيقنّا بكذب الشُّهود، وأنَّهم وهموا، فلا يحلّ إنفاذ الحكم بشهادتهم، وإنْ قلن: إنّها عذرة واغلة في داخل الفرج لا يبطلها إيلاج الحشفة فقد أمكن صدق الشُّهود إذ بإيلاج الحشفة يجب الحدّ، فيُقام الحدّ عليها، لأنَّه لم نتيقن كذب الشُّهود ولا وهمهم [2] . سواء سقط الحدّ بالشُّبهة أو باليقين من أنَّ الإيلاج يزيل البكارة؛ فإنَّه يبقى بعد ذلك أنَّ الفعل الذى شهد عليه الشُّهود معصية يجب فيها التَّعزير.

(1) انظر: المدونة الكبرى، 4/ 514، والتَّشريع الجنائيّ في الإسلام، 3/ 407.

(2) انظر: شرح الزّرقانيّ، 8/ 81، وحاشية ابن عابدين، 3/ 220، وأسنى المطالب، 4/ 132، والمغني، 10/ 189، والمحلى، 11/ 263، وشرح الأزهار، 4/ 350.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت