الصفحة 29 من 43

دون النَّفس وعلى الجنين [1] . لأنَّ عقوبتها القصاص أو الدِّية وهى من حقوق الأفراد. أمَّا إذا كان السُّكر بطريق غير محظور فلا يؤاخذ السَّكران بإقراره في كُلّ الأحوال إلاَّ إذا أعاد الإقرار بعد زوال سكره.

ويرى الشَّافعيّ أنَّ مَنْ شرب دواءًً مزيلًا للعقل بغير حاجة، ومَنْ شرب مسكرًا عالمًا بأنَّه مسكر يؤاخذ بإقراره في كُلّ الأحوال؛ لأنَّه شرب ما يعلم أنَّه يزيل عقله فوجب أنْ يتحمَّل نتيجة عمله تغليظًا عليه لينزجر [2] ، فإذا دعت الحاجة لشرب الدَّواء المزيل للعقل أو شرب المسكر وهو يعلم أنَّه مسكر، فإنَّه لا يؤاخذ بإقراره إلاَّ إذا أقرَّ ثانية بعد زوال سكره.

ومن المتفق عليه أنَّ المسكر لا يشترط فيه أنْ يكون خمرًا، فيصح أنْ يكون أيّة مادة مسكرة أو مخدرة ما دامت تؤدى إلى غيبة العقل، ولهذا يُعرِّف الفقهاء السُّكر بأنَّه:"غيبة العقل من تناول الخمر أو ما يشبه الخمر" [3] .

المبحث الثَّالث: التَّعارض والتَّرجيح في الشَّهادة:

المطلب الأوَّل: في ماهية الشَّهادة وأدلة مشروعيّتها:

المسألة الأولى: ماهية الشَّهادة لغة واصطلاحًا:

الشَّهادة في اللُّغة: من المشاهدة، وهي: المعاينة. وقيل: هي الإخبار بما قد شوهد، وقيل: هي الخبر القاطع [4] .

الشَّهادة في الاصطلاح: الاسم من المشاهدة: أنْ يخبر بما رأى. وفي الكتاب المجيد: {وَلاَ تَكْتُمُوا الشَّهادة وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ} [البقرة: 283] ، وأنْ يقرّ بما عَلِمَ. ومنه: عالم الشَّهادة: أي عالم الأكوان الظَّاهرة، مقابل عالم الغيب، وفي القرآن الكريم: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادة فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التَّوبة: 105] .

(1) انظر: حاشية الطّحاويّ، 3/ 328, 346, وحاشية ابن عابدين، 4/ 621.

(2) انظر: أسنى المطالب، وحاشية الشّهاب للرّمليّ، 3/ 283, 284.

(3) انظر: التَّشريع الجنائيّ في الإسلام: عبد القادر عودة، 3/ 334.

(4) انظر: لسان العرب: لابن منظور، 3/ 283، ومختار الصّحاح: للرّازيّ، 1/ 161، وتاج العروس، 1/ 2061.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت