الحالة، فالإقرار الذى يؤخذ به الجانى هو الإقرار المفصل المثبت لارتكاب الجريمة ثبوتًا لا شك فيه [1] .
والأصل في الاستفصال والتَّبيُّن هو سُنَّة الرَّسول - صلى الله عليه وسلم -، فقد جاءه ماعز يعترف بالزِّنا ويكرِّر اعترافه، فسأل - صلى الله عليه وسلم: هل به جنون أو هو شارب خمر؟ وأمر مَنْ يشم رائحته، وجعل يستفسره عن الزِّنا، فقال له: (لعلّك قبّلت أو غمزت) وفي رواية: (هل صاحبتها؟) قال: نعم، قال: (فهل باشرتها؟) قال: نعم، قال: (هل جامعتها؟) قال: نعم. وفي حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: (أنكتها؟) قال: نعم، قال: (دخل ذلك منك في ذلك منها؟) قال: نعم. قال: (كما يغيب المرود في المُكْحُلة، والرّشاء في البئر؟) قال: نعم قال: (تدرى ما الزِّنا؟) قال: نعم، أتيت منها حرامًا كما يأتى الرّجل من امرأته حلالًا. قال: (فما تريد بهذا القول؟) قال: تطهرنى، فأمر به فرجم"."
فدلَّ جميع ذلك على أنَّه يجب الاستفصال والتَّبيُّن [2] .
ويشترط بعد تفصيل الإقرار أنْ يكون الإقرار صحيحًا، ولا يكون كذلك إلاَّ إذا صدر من عاقل مختار.
المسألة الثانية: إقرار زائل العقل:
إذا أقرَّ بجريمة مَنْ فَقَدَ عقله لأيّ سبب، كشرب دواء أو شرب مسكر أو نوم أو إغماء أو جنون، فإنَّ إقراره لا يُعَدُّ إقرارًا صحيحًا ولا يؤاخذ به، ولكن لو أعاد المُقرّ إقراره بعد زوال حالة الإغماء أو النَّوم وبعد زوال أثر السُّكر أو أثر الدَّواء وبعد زوال الجنون، فإنَّه يؤاخذ بإقراره الجديد؛ لأنَّه صدر صحيحًا [3] .
ويتفق أبو حنيفة والشَّافعي مع مالك وأحمد فيما سبق إلاَّ في شرب الدَّواء والمسكر، فيرى أبو حنيفة أنَّ إقرار السَّكران بطريق محظور هو إقرار صحيح، وأنَّ السَّكران يؤاخذ بإقراره إذا أقرَّ وهو سكران إلاَّ في الحدود الخالصة حقًّا لله تعالى، والقتل ليس منها، وكذلك الجناية على ما
(1) انظر: التَّشريع الجنائيّ في الإسلام: عبد القادر عودة، 3/ 333.
(2) انظر: سبل السَّلام، 4/ 7 - 8.
(3) انظر: المغني: لابن قدامة، 5/ 271 وما بعدها، و10/ 170 - 171, ومواهب الجليل، 4/ 43.