الصفحة 27 من 43

وقال بعضهم: يُقْتَل المُقرّ فقط؛ لأنَّ إقرار المرء على نفسه أقوى من الشَّهادة.

وقال الفريق الثَّالث: يُقْتَل المشهود عليه؛ لأنَّ الإنسان لو أقرَّ على نفسه بما لم يكن عليه يجز إنفاذ الإقرار عليه، فلعلَّ المُقرّ هنا قد أقرَّ بما لم يكن عليه خوف الغلط، ولعلَّ الشَّهادة نسخت الإقرار.

ونميل إلى هذا الرَّاي الأخير في اعتبار الإقرار بالقتل مرجوحًا عند تعارضه مع بيِّنة الشَّاهدين، وهو ما استقرَّ عليه الفقه القانونيّ والعمل القضائيّ المعاصريْن.

والإقرار ـ على قوّته حُجَّة ـ قاصرة على نفس المُقرّ لا تتعداه إلى غيره كما يرى جمهورالفقهاء، فإذا اعترف بكر بأنَّه قتل زيدًا، وأنَّ عليًّا شاركه جريمة القتل، فإنَّ هذا الاعتراف يكون حُجَّة قاصرة على بكر فقط ما دام علي ينكره، فإذا سلَّم به عليٌّ فإنَّه يؤاخذ ـ لا باعتراف بكر ـ وإنَّما باعترافه هو.

وعلى هذا جرّت سُنَّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد روى أبو داود عن سهل بن معد - رضي الله عنه - أنَّ رجلًا جاء إلى الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - فأقرَّ عنده أنَّه زنا بامرأة سمَّاها له، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المرأة فسألها عن ذلك، فأنكرت أنْ تكون زنت، فجلده الحدّ وتركها [1] .

ولكن الإقرار يمكن أنْ يتعدَّى إلى غير المُقرّ عند مَنْ يرون الإثبات بقرائن الأحوال، إذا أمكن اعتبار إقرار المُقرّ قرينة على غير المُقرّ، ويشترط في الإقرار المثبت للجناية أنْ يكون مبيّنًا مفصلًا قاطعًا في ارتكاب الجانى الجناية، أمَّا الاعتراف المجمل الذى يمكن أنْ يفسَّر على أكثر من وجه فلا تثبت به الجناية، فمَنْ أقرَّ مثلًا بقتل شخص لا يمكن اعتباره مسؤولًا جنائيًّا إذا فصل اعترافه عن كيفيّة القتل وأداته، فقد يكون المعترف طلب من القتيل أنْ يؤدى عملًا أو يذهب إلى مكان معيّن فقتل فيه، فاعتقد أنّه تسبَّب في قتله واعترف بالقتل على هذا الأساس، ويجب أنْ يبيّن إنْ كان القتل عمدًا أو شبه عمد أو خطأ؛ لأنَّ لكُلّ نوع من أنواع القتل أركانًا وعقوبات خاصّة، ويجب أنْ يبيّن ظروف القتل وسببه، فقد يكون القتل وقع استعمالًا لحق أو أداءً لواجب، ولا مسؤوليّة في مثل هذه

(1) انظر: فتح القدير، 4/ 158, والمغني: لابن قدامة، 10/ 0168.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت