الصفحة 26 من 43

على الإجماع؛ لأنَّ الإقرار إخبار بنفي التُّهمة والرِّيبة عن المُقرّ، ولأنَّ العاقل لا يكذب على نفسه كذبًا يضرّ بها، ولهذا كان الإقرار آكد من الشَّهادة، وكان حُجَّة في حقّ المُقرّ يوجب عليه الحدّ، والقصاص، والتَّعزير، كما يوجب عليه الحقوق الماليّة [1] .

المطلب الثَّاني: القيمة الاستدلاليّة للإقرار:

المسألة الأولى: الإقرار ومقارنته بالشَّهادة:

إنَّ القول بأن الإقرار أقوى من الشَّهادة قد يصدق غالبًا في كافّة أحوال التَّعارض الإيجابيّ، إلاَّ أنَّه لا يصدق بالقدر نفسه في التَّعارض السَّلبيّ، إذ قد يكون التَّعارض مرجوحًا، فإذا ادّعى رجل على آخر مالًا فأقرّ المدعى عليه بأقلّ من المدعى به، فأقام المدعى شاهدين بدعواه، فإنَّ بيِّنة الشَّاهدين تدحض إقرار المدعى عليه، لِمَا تنطوي عليها من قوّة تتمثَّل في زيادة الإثبات [2] .

وفي مسائل الجنايّات إذا تعارض الإقرار بالقتل مع بيِّنة شاهدين عدلين بأنَّ القاتل آخر غير المُقرّ فقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنَّ لأولياء الدَّم قتل أحدهما، فالولي يتخيّر بين المُقرّ والمشهود عليه؛ لأنَّ له حقّ العفو عنهما أو تصديق أحدهما، أمَّا لو قال الولي: قتلتماه، وأورد قتلهما سويًّا فإنَّ الشَّهادة تبطل والإقرار يتجزأ؛ لأنَّ كُلّ بيِّنة أثبتت قتل بانفراد، ودعوى الولي المشاركة فيه تكذيب لبيِّنة الشَّاهدين وتفسيق لهما، فتبطل الشَّهادة، أمَّا الإقرار فلا يبطل منه سوى بعضه؛ لأنَّه لا يجوز مع فسق المُقرّ [3] .

وقد اختلف فقهاء الأباضيّة إلى ثلاثة أقوال [4] :

قال بعضهم: يُقْتَل المُقرّ والمشهود عليه فللبيان عليه، وفي ذلك عمل بالبيِّنتين وهو أوْلَى من إهمال أحدهما، لا سيما إنْ أمكن اجتماعهما على القتل.

(1) انظر: التَّشريع الجنائيّ في الإسلام: عبد القادر عودة، 2/ 303.

(2) انظر: معين الحُكَّام فيما يتردّد بين الخصمين من الأحكام، 2/ 89، والتَّشريع الجنائيّ في الإسلام، 3/ 331.

(3) انظر: الفقه على المذاهب الأربعة: للجزيريّ، 5/ 155.

(4) انظر: أسنى المطالب، 4/ 132.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت