بذلك للمتأخرين أغلاط شديدة في فهم النُّصوص، ونذكر من ذلك مثالًا واحدًا، وهو ما نحن فيه من لفظ"البيِّنة"فإنَّها في كتاب الله اسم لكُلّ ما يبيّن الحقّ، كما قال تعالى {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالبيِّنات} [الحديد: 25] ، وقال تعالى {وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالًا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 7] ، وقال تعالى {وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البيِّنة} [البيِّنة: 4] ، وقال تعالى {قُلْ إِنِّي عَلَى بيِّنة مِّن رَّبِّي} [الأنعام: 57] ، وقال تعالى {أَفَمَن كَانَ عَلَى بيِّنة مِّن رَّبِّهِ} [هود: 17] وقال تعالى {أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بيِّنة مِّنْهُ} [فاطر: 40] وقال {أَوَلَمْ تَاتِهِم بيِّنة مَا فِي الصُّحُفِ الأُولَى} [طه: 133] ، ومثل هذا كثير لم يختص لفظ"البيِّنة"بالشَّاهدين؛ بل ولا استعمل في الكتاب فيهما البتة، إذا عرف هذا فقول النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - للمدعي: (ألك بيِّنة؟) ، وقول عمر - رضي الله عنه:"البيِّنة على المدعي"، وإنْ كان هذا قد رُوِيَ مرفوعًا المراد به: ألك ما يبيّن الحقّ من شهود أو دلالة؟ فإنَّ الشَّارع في جميع المواضع يقصد ظهور الحقّ بما يمكن ظهوره به من البيِّنات التي هي أدلة عليه وشواهد له، ولا يرد حقًّا قد ظهر بدليله أبدًا فيضيع حقوق الله وعباده ويعطلها، ولا يقف ظهور الحقّ على أمر معيّن لا فائدة في تخصيصه به مع مساواة غيره في ظهور الحقّ أو رجحانه عليه ترجيحًا لا يمكن جحده ودفعه، كترجيح شاهد الحال على مجرّد اليد في صورة مَنْ على رأسه عمامة وبيده عمامة وآخر خلفه مكشوف الرَّأس يعدو أثره ولا عادة له بكشف رأسه، فبيِّنة الحال ودلالته هنا تفيد من ظهور صدق المدعي أضعاف ما يفيد مجرّد اليد عند كُلّ أحد، فالشَّارع لا يهمل مثل هذه البيِّنة" [1] ."
المسألة الثَّالثة: البيِّنة تعني شهادة الشُّهود، وعلم القاضي، والإقرار:
ذهب ابن حزم الأندلسيّ إلى أنَّ البيِّنة تعني:"الشَّهادة"، وأضاف إليها:"علم القاضي"، وقال: صحّ عن النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: (بينتك أو
(1) انظر: أعلام الموقعين عن ربّ العالمين: لابن قيم الجوزيّة، 1/ 90، والدُّرر السُّنيّة في الكتب النَّجديّة، 9/ 468.