الصفحة 22 من 43

في ظهرك)، فقال هلال: والذي بعثك بالحقّ نبيًّا إنّي لصادق، ولينزلنَّ الله في أمري ما يبرئ به ظهري من الحدّ، فنزلت الآية في سورة النُّور [1] .

وفي هذا ما يدلُّ على أنَّ المراد من لفظ"البيِّنة"في لسان الشَّرع هو:"الشَّهادة".

ثانيًا: ما رُوِيَ من حديث الأشعث بن قيس - رضي الله عنه - عندما طلب منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - البيِّنة، حيث قال: كانت بيني وبين رجل خصومة في بئر فاختصمنا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (شاهداك أو يمينه) [2] .

وجه الدّلالة: فالحديث الأوَّل جاء لعموم لفظ"البيِّنة"، أمَّا الحديث الثَّاني فقد خصّه بالشَّاهدين، فكان من قبيل التَّخصيص، فدلَّ ذلك على أنَّ البيِّنة في لسان الشَّرع هي:"الشَّهادة".

ثالثًا: لقد طلب القرآن الكريم الإثبات بالشَّهادة في كثير من المواضع، فقال في إثبات الدَّيْن والحقوق الماليّة: {وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ من رِّجَالِكُمْ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ} [البقرة: 282] .

ومن هذا النَّص القرآنيّ ـ وغيره من النصوص ـ رجَّح الجمهور أنَّ المراد بالبيِّنة هي الشَّهادة، إذ وردت بهذا المعنى في الآيات المذكورة.

المسألة الثَّانية: البيِّنة تعني كُلّ ما يبيّن به الحقّ:

ذهب الإمام ابن القيم من الحنابلة، وابن فرهون من المالكيّة، وعلاء الدِّين الطّرابلسيّ من الحنفيّة، إلى أنَّ البيِّنة هي:"كُلّ ما يبيّن به الحقّ، وهو أكثر التَّعريفات الاصطلاحيّة مرونة" [3] .

قال ابن القيم: "البيِّنة في كلام الله تعالى ورسوله - صلى الله عليه وسلم - وكلام الصَّحابة ـ رضوان الله عليهم ـ اسم لكُلّ ما يبيّن الحقّ، فهي أعمّ من"البيِّنة"في اصطلاح الفقهاء، حيث خصّوها بالشَّاهدين أو الشَّاهد واليمين، ولا حجر في الاصطلاح ما لم يتضمَّن حمل كلام الله ورسوله عليه، فيقع بذلك الغلط في فهم النُّصوص، وحملها على غير مراد المتكلم منها، وقد حصل"

(1) انظر: صحيح البخاريّ، 9/ 476، برقم2671. والآية هي: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاء إِلاَّ أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} [النُّور: 6] .

(2) انظر: صحيح البخاريّ، 9/ 228، صحيح مسلم، 1/ 446، برقم 372.

(3) انظر: القاموس الفقهيّ، 1/ 47.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت