الصفحة 13 من 43

للآخر أنَّه أسلمه ثوبين غيره في مائة، لزمه الأثواب الثَّلاثة في المائتين ويحملان على أنَّهما سلمًا" [1] ."

كما أنَّ الحنابلة يُقدِّمون الجمع على التَّرجيح، ففي"المدخل":"وقد يختلف اجتهاد المجتهدين في النُّصوص إذا تعارضت، فمنهم مَنْ يسلك طرق التَّرجيح، ومنهم مَنْ يسلك طريق الجمع، والصَّواب تقديم الجمع على التَّرجيح ما أمكن إلاَّ أنْ يفضي الجمع إلى تكلُّف يغلب على الظَّنّ براءة الشَّرع منه، ويبعد أنَّه قصده فيتعيَّن التَّرجيح ابتداء" [2] .

والظَّاهريّة يُقدِّمون الجمع، حيث قالوا:"إذا تعارض الحديثان أو الآيتان أو الآية والحديث فيما يُظنّ مَنْ لا يعلم ففرض على كُلّ مسلم استعمال كُلّ ذلك؛ لأنَّه ليس بعض ذلك أوْلَى بالاستعمال من بعض، ولا حديث بأوجب من حديث آخر مثله، ولا آية أوْلَى بالطَّاعة لها من آية أخرى، كُلّها وكُلّ من عند الله عزَّ وجلَّ، وكُلّ سواء" [3] .

وهذا يعني تقديم الظَّاهريّة للجمع عند كُلّ تعارض بلا منازع، فالتَّرجيح عندهم باطل.

المسألة الثَّانية: أدلة تقديم الجمع على التَّرجيح:

[1] ما رواه أبو داود عن أبي موسى - رضي الله عنه: (أنَّ رجلين ادّعيا بعيرًا على عهد النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - فبعث كُلّ واحد منهما شاهدين، فقسمه النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - بينهما نصفين) [4] .

ووجه الدَّلالة أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد أعمل البيِّنتين لَمَّا أمكن إعمالهما، مِمَّا كان دليلًا على تقديم الجمع وعدم المصير إلى سواه إلاَّ عند استحالته [5] .

[2] مقتضى العقل هو أنَّ التَّوفيق بالجمع بين البيِّنتين أوْلَى من غيره؛ لأنَّ إعمالهما أوْلَى من إهمالهما، فالبيِّنة من حُجَج الشَّرع، والأصل في

(1) انظر: الخرشيّ على مختصر خليل.

(2) انظر: المدخل لمذهب الإمام أحمد: لابن بدران، 1/ 369.

(3) انظر: الإحكام في أصول الأحكام: لابن حزم، 2/ 158.

(4) انظر: سنن أبي داود، 10/ 497، برقم3617.

(5) انظر: الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة، 15/ 72.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت