الصفحة 14 من 43

حُجَج الشَّرع إعمالهما لا إهمالهما، والأخذ بأحدهما فقط فيه إهمال للأخرى، ومن هذا الوجه كان الجمع أوْلَى [1] .

المطلب الثَّالث: تقديم التَّهاتر على الجمع لا التَّرجيح وأدلته:

المسألة الأولى: تقديم التَّهاتر على الجمع لا التَّرجيح:

وتقديم التَّهاتر على الجمع لا التَّرجيح هو أصحّ الآراء في المذهب الشَّافعيّ. أمَّا تهاتر البيِّنتين فإنَّه لا خلاف بين الفقهاء في أنَّه إذا تعارضت البيِّنتان ولم يمكن العمل بهما معًا، ولم يوجد ما يرجّح إحداهما على الأخرى، فإنَّهما تتهاتران كالخبرين.

ثُمَّ اختلفوا في الصُّور التي يمكن العمل بهما معًا، وفي الصُّور التي لا يمكن العمل بهما فتتهاتر البيِّنتان فيها. فإذا ادّعى مثلًا اثنان عينًا في يد ثالث وأقام كُلّ منهما بيِّنة، ولا مرجّح لإحداهما على الأخرى، فإنَّهما تتهاتران في أصحّ الأقوال عند الشَّافعيّة، وهو قول عند الحنفيّة، وإحدى روايتين للحنابلة، وقالوا: لأنَّ إحدى البيِّنتين كاذبة بيقين لاستحالة الملكين في الكُلّ، ولأنَّهما حُجَّتان تعارضتا من غير ترجيح لإحداهما على الأخرى، فتساقطتا كالخبرين [2] .

والتَّهاتر هو التَّساقط، جاء في مذهب الشَّافعيّ:"وإنْ كان لكُلّ واحد منهما بيِّنة والعين في يدهما أو في يد غيرهما أو لا يد لأحدهما عليها تعارضت البيِّنتان، وفيهما قولان:"

أحدهما: أنَّهما يتساقطان، وهو الصَّحيح؛ لأنَّهما حُجَّتان تعارضتا، ولا مزية لأحدهما على الأخرى فتتساقطا كالنَّصين في الحادثة، فعلى هذا يكون الحكم فيه، كما لو تداعيا ولا بيِّنة لواحد منهما.

والثَّاني: أنَّهما يستعملان" [3] ."

فالظَّاهر من النَّص أنَّه قدَّم التَّهاتر على الجمع في الأصح. وفي"تبيين الحقائق":"إذا ادّعى اثنان عينًا في يد غيرهما، وزعم كُلّ واحد"

(1) انظر: الاعتصام، 1/ 186.

(2) انظر: الموسوعة الفقهيّة الكويتيّة، 15/ 71.

(3) انظر: المهذب: للشّيرازيّ، 3/ 411.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت