لأنَّه يخبر عمَّا في يد نفسه لنفسه، فلم يكن مدعيًا، فالتحقت بيِّنته بالعدم، فبقيت بيِّنة الخارج بلا معارض فوجب العمل بها؛ ولأنَّ بيِّنة الخارج أظهرت له سبق الملك فكان القضاء بها أوْلَى، كما إذا وقتت البيِّنتان نصًا ووقتت بيِّنة الخارج دلالة، ودلالة الوصف أنَّها أظهرت له سبق اليد؛ لأنَّهم شهدوا له بالملك المطلق، ولا تحل لهم الشَّهادة بالملك المطلق إلاَّ بعلمهم به، ولا يحصل العلم بالملك إلاَّ بعد العلم بدليل الملك، ولا دليل على الملك المطلق سوى اليد، فإذا شهدوا للخارج فقد أثبتوا كون المال في يده، وكون المال في يد ذي اليد ظاهرًا ثابتًا للحال، فكانت يد الخارج سابقة على يده فكان ملكه سابقًا ضرورة، وإذا ثبت سبق الملك للخارج يقضي ببيِّنته لأنَّه لَمَّا ثبت له الملك واليد في هذه العين في زمان سابق ولم يعرف لثالث فيها يد وملك علم أنَّها انتقلت من يده إليه" [1] ."
المطلب الثَّاني: تقديم الجمع على التَّرجيح وأدلته:
المسألة الأولى: تقديم الجمع على التَّرجيح:
والجمع يعني التَّوفيق بين المتعارضين بالعمل بهما من كُلّ وجه أو بعدم العمل بهما من كُلّ وجه، ويقول بتقديمه على التَّرجيح فقهاء المالكيّة، والحنابلة، وأهل الظَّاهر، والشِّيعة الإماميّة والزّيديّة.
وقد نصّ فقهاء المالكيّة على تقديم الجمع صراحة، قال الدّرديريّ:"وإنْ أمكن جمع بين البيِّنتين المتعارضتين جمع ـ أي وجب الجمع بينهما ـ، وإلاَّ يمكن الجمع بينهما رجح ـ أي وجب على الحاكم أنْ يرجّح بينهما ـ" [2] .
وقد ذهب الخرشيّ إلى بيان رأي المالكية في تقديم الجمع فقال:"وإنْ أمكنه الجمع بين البيِّنتين جمع، والمعنى أنَّه حيث أمكن الجمع بين البيِّنتين فإنَّه يجمع، بمعنى أنَّه يجب العمل بمقتضى كُلّ من الشَّهادتين، ومن ذلك لو شهدت للمسلم بيِّنة أنَّه أسلمه هذا الثَّوب في مائة أردب، وشهدت أخرى"
(1) انظر: بدائع الصّنائع: للكاسانيّ، 14/ 178.
(2) انظر: حاشية الدّسوقيّ على الشَّرح الكبير، 17/ 450، ومواهب الجليل في شرح مختصر خليل، 17/ 330.