الصفحة 11 من 43

الحديثان يدلان على عدم وجوب الغسل حالة الإنزال لعجل أو كسل، ولكن يُقدَّم عليهما حديث عائشة ـ رضي الله عنها ـ، والحديث بتمام قصته عن أبى موسى الأشعريّ - رضي الله عنه - قال: اختلف في ذلك رهط من المهاجرين والأنصار، فقال الأنصاريون: لا يجب الغسل إلاَّ من الدَّفق أو من الماء، وقال المهاجرون: بل إذا خلط فقد وجب الغسل، قال: قال أبو موسى الأشعريّ: فأنا أشفيكم من ذلك، فقمتُ فاستأذنتُ على عائشة، فأُذِنَ لي، فقلت لها: يا أماه ـ أو يا أم المؤمنين ـ إنّي أريد أنْ أسألك عن شيء، وإنّي أستحييك، فقالت: لا تستحي أنْ تسألني عمَّا كنت سائلًا عنه أمك التي ولدتك، فإنَّما أنا أُمّك، قلتُ: فما يوجب الغسل؟ قالت: على الخبير سقطت، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (إذا جلس الرّجل بين شعبها الأربع، ومسّ الختان الختان؛ فقد وجب الغسل) [1] .

ووجه تقديم الحديث الأخير على سابقيه يظهر هنا بجلاء، فأمّ المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: (على الخبير سقطت) ، وتعني أنَّه صادف خبيرًا بحقيقة ما سئل عنه، عارفًا بخفيّه وجليّه، حاذقًا فيه، فهي أكثر علمًا بحاله من غيرها، وزيادة علمها أوجبت تقديم خبرها بوجوب الغسل بالتقاء الختانين، وهو دليل على تقديم التَّرجيح [2] .

أمَّا المعقول فيتمثل في أنَّ العقل يقتضي تقديم ما به مزية على الآخر، أي الرَّاجح على المرجوح، فالظَّنين إذا تعارضا ثُمَّ ترجَّح أحدهما على الآخر كان بالرَّاجح متعيّنًا إنَّه لو لم يعمل بالرَّاجح لزم العمل بالمرجوح على الرَّاجح، وترجيح المرجوح على الرَّاجح ممتنع في بداهة العقل [3] .

ومن قبيل تقديم ما به مزية على الآخر بيِّنة الخارج في مقابلة بيِّنة الدَّاخل صاحب اليد، فترجح بيِّنة الخارج لدى الأحناف بقاعدة (البيِّنة على المدعي) [4] . يقول الكاسانيّ:"وذو اليد ليس بمدع فلا تكون البيِّنة حُجّته، والدَّليل على أنَّه ليس بمدع ما ذكرنا من تحديد المدعي أنَّه اسم لمن يخبر عمَّا في يد غيره لنفسه، والموصوف بهذه الصفة هو الخارج لا ذو اليد؛"

(1) انظر: صحيح البخاريّ، 1/ 110، وصحيح مسلم، 1/ 271، برقم 349.

(2) انظر: المحصول: للرّازيّ، 4/ 418.

(3) انظر: المحصول: للرّازيّ، 5/ 539، وإرشاد الفحول: للشّوكانيّ، 1/ 403.

(4) انظر: صحيح البخاريّ، 2/ 929، والأشباه والنَّظائر: للسّيوطيّ، 1/ 13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت